حاول حاكم مصرف لبنان الجديد كريم سعيد الرد على منتقديه لقربه من المصارف، وإن بشكل غير مباشر، من خلال طمأنة المودعين بضرورة استعادة ودائعهم وتحميل المصارف جزءاً من المسؤولية إلى جانب مصرف لبنان والدولة. وضع سعيد المودعين في سلّم الأولويات، يتقدّمهم صغار المودعين الذين وصفهم بالحلقة الأضعف على أن يليهم المودعون من المستوى المتوسط لتصل الحلول أخيراً إلى كبار المودعين.
وضع سعيد خلال مراسم التسليم والتسلم في مصرف لبنان اليوم، الخطوط العريضة لسياسة مصرف لبنان في المرحلة المقبلة، نجح بالمرور على ملفات جوهرية على طريقة السير بين الألغام، فأعلن مواقف ملتبسة، وأخرى مطمئنة نسبياً، على مستوى أزمة الودائع ومكافحة تبييض الأموال وغيرها من الملفات، لكنه تجاهل، بالوقت عينه، تحديد موقفه وإن بشكل عابر من ملفات أخرى هي موضع سجال في البلد، لاسيما منها ملفي التفاوض مع صندوق النقد الدولي ورفع السرية المصرفية.
توزيع الخسائر
في ملف المصارف يرى سعيد أن على المصارف زيادة رؤوس أموالها من خلال ضخ أموال جديدة تدريجياً، موضحاً أن المصارف غير القادرة أو غير الراغبة بزيادة رساميلها يجب أن تُدمج، أما تلك التي لم تتمكن من الدمج فسيتم تصفيتها وإخراجها من القطاع بطريقة منظمة مع الحفاظ على حقوق المودعين، كما شدّد على وجوب أن تساهم المصارف في سداد الودائع من موارد إضافية غير تلك المستخدمة في إعادة رسملتها.
وإذ يؤكد سعيد عزم مصرف لبنان على تقييم الخطط الإصلاحية التي وضعتها الحكومات السابقة والحكومة الحالية واستخلاص الحلول، يشدّد على الإنطلاق من جدولة الدين العام وهيكلة القطاع المصرفي ثم سداد الودائع وصولاً إلى التعافي التدريجي للاقتصاد ملمّحاً إلى توزيع الخسائر على الأطراف المعنية وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف.
تجاهل صندوق النقد
غير أن سعيد الذي أكد حرصه على إبقاء مصرف لبنان مؤسسة وطنية مستقلة في قراراتها ومحصنة من التدخلات والضغوط السياسية وتأثير نفوذ القطاع المصرفي والهيئات الاقتصادية ومنع تضارب المصالح تجاهل الحديث عن مسـألة رفع السرية المصرفية كما هو مأمول وبحسب متطلبات صندوق النقد الدولي. علما أن الصندوق دعا بشكل مباشر وواضح إلى رفع السرية المصرفية بشكل تام كمنطلق للإصلاح.
إلا أن سعيد حصر مسألة التعاون في مجال رفع السرية المصرفية بقوله أن مصرف لبنان مستعد للإفصاح عن كل ما يتطلّب من معلومات وتقارير ومصرّ على إبعاد أي مصرفي أو موظف يثبت تورطه في عمليات مشبوهة، من دون أن يوضح ما إذا كان مصرف لبنان سيكون داعماً ومتعاوناً في مسألة رفع السرية المصرفية كما هو مطروح اليوم في مشروع القانون الذي أحيل إلى مجلس النواب والذي استنفر القطاع المصرفي برمته للإعتراض عليه.
وفي حين تعهّد سعيد العمل للقضاء على السوق الموازي ومكافحة تبييض الأموال والتهريب والتزوير في سبيل إزالة لبنان عن اللائحة الرمادية، تجاهل كلّيا ً الحديث عن صندوق النقد الدولي وكل الحلول المرتبطة بالإصلاحات المقترحة من الصندوق وعلى رأسها رفع السرية المصرفية بشكل كامل وتام عن كل شخصية طبيعية أو معنوية، ولم يُعرب عن موقف من الاتفاق المحتمل مع صندوق النقد.
تمويل الدولة
وفي معرض حديثه في حضور نواب الحاكم الأربعة وعدد من أعضاء لجنة الرقابة على المصارف أوضح سعيد أنه يجب ألا يكون هناك أي تضارب في المصالح أو حتى أي شبهة تضارب مع اي مصرف أو مصرفي أو مستثمر في مصرف او أي مستفيد من هذا القطاع. وهو ما يطرح أسئلة حول هويته كحاكم آت من القطاع المصرفي وتحديداً من مصرف الإمارات ولبنان وعلاقاته مع عائلة ميقاتي وعائلة الصحناوي بكل ما ترتبط به العائلتين من مصارف ومصالح.
أما على مستوى العلاقة مع الدولة، يلتقي سعيد مع النائب الأول وسيم منصوري لجهة تمنّع مصرف لبنان من تمويل الدولة بشكل خارج عن الحدود والضوابط الصارمة مؤكداً الالتزام بأحكام الدستور والقوانين المرعية وخصوصاً قانون النقد والتسليف والأنظمة التي تراعي عمل مصرف لبنان.
من جهته عرض منصوري في كلمته ما اعتبره إنجازات في مصرف لبنان وعلى رأسها التعاميم، التي تتيح للمودعين سحب الفتات من ودائعهم. ولم يغفل منصوري ذكر إنجاز آخر تمثّل بتوحيد سعر الصرف بين مصرف لبنان والموازنة متجاهلاً اختلاف سعر الصرف المعمول به في المصارف والذي يقتطع من أموال المودعين أكثر من 83 في المئة من قيمة سحوباتهم.
باختصار من يشهد حفل التسليم والتسلم اليوم في مصرف لبنان ويستمع إلى الإنجازات والخطط يخال نفسه في مؤسسة شفافة تلتزم القوانين وتفصح عن ميزانياتها وتتعاون مع القضاء وتفتح أي ملف تدور حوله شبهات وتبادر لمحاسبة المتورطين وتحمي حقوق العملاء المصرفيين من خلال تشدّدها في تطبيق القوانين والرقابة على القطاع المصرفي.