قطط الثالثة فجراً تسكن أسطح المباني، أسطح الأسرّة، أكتاف من فكر يوماً أن يحبّها. هي قطط لا تلعق مواءها، بل ترميه كمن يرمي كل الأطفال الذي لن يولدوا، داخل واقٍ ذكريٍّ منسيّ قرب المغسلة. عنيفة، أعترف.عنيفة تلك القطط التي لا تأبه لمن حدد أوقات النوم وأوقات الوجود المرتبط بمنبّه رخيص، اشتريناه لأننا قررنا بأننا أصحاء الجسد، ننام ونصحو، في أوقات معلّبة، أنيقة بعض الشيء، لأننا نحاول جعلها مفردة أو زوجية: ست ساعات. ثماني ساعات. والأجدر بنا تفادي الأنصاف والأرباع. فهي ليست جميلة.القطط لم تقرأ يوماً محاولاتنا الدؤوبة لتيسير حياتنا وفق نظام المنبّه الجميل.تضحك علينا. أنا على يقين بأنها، في سرّها، تكتب سيناريوهات حيواتنا الرديئة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى كوننا مُنتِجين. منتجون لأننا أقنعنا أنفسنا بأن المنبّه ينظّم إنتاجاتنا اليومية، والتي نسارع لمشاركتها في فايسبوك. التصفيق حاد. جماهير المحبّين تحيط بنا، افتراضية لكن لا فرق. تسألنا عن سرّنا الإنتاجي. والقطط تضحك. تحديداً عند الثالثة فجراً.يعتقد البعض أن القطط أنواع. أجناس. طباع.القطط، قطط، تشبه نفسها، تتشابه كلها، عند الثالثة فجراً.وكلها يضحك علينا. تقرر، في هذا التوقيت السري المقدس، أن تكتب شعراً عن الأسوَد الذي يلوّن الكون. عن البرد الذي لا يقتل، بل يحيي. عن الأرداف التي تتمايل، لأنها تستطيع. ولأن الليل يتلصص عليها. وحده، دون نجومه.القطط لا تأبه للنجوم. بل لساعة الفجر الذي معه، يأتي الشبق. واللوعة. والاحتراق في اللذة. من اللذة. والتوق القديم السرّي المقدس بعض الشيء، للنيل من فريسة. لا يهم من أي نوع كانت: تمايل أغصان الأشجار ليلاً، خيالات على جدران منسية سوى من بيوت العناكب المتربصة بالبعوض...حتى بأصابع أقدامنا الفريسة.هي قطط شرسة بعض الشيء، لأنها رطبة. تعاند التطور. والتحضّر. لم يغيّرها حاسوب. ولا ناطحة سحاب. ولا حسابات مصرفية وسندات خزينة، وعمليات تجميل. هي قطط تعاند الساعة المخترعة واليومي الرتيب الذي نحلم بأن يكون مُنتجاً، لعلّنا نموت وندفن، في توابيت أنيقة.القطط لا تعرف أنها ستموت. لكنها تعرف أن الثالثة فجراً هي مصيرها. قدَرها الذي يصرخ لها، مستعيناً بصوت سخميت، وهي الآلهة الفرعونية باستت، حين تغضب:"قومي، تعالي.أجيبي بصوتكصوت البكاء الحادوالعويل.قومي وارمي عليهم جميعاًالذعر والقلقاسرقي منهم نومهموراحتهم الكاذبةاجعليهم يشتمون جنسكاجعليهم يكرهون الفجرالذي هو لك.اقتليهم ببطء.فهم كسالى.ولا تغفريلأنهم يعلمون".أعيش وسبع قطط. ثماني قطط، ان احتسبنا "فريال خانم" قطة الحي. أعيش وأصحو وآكل وأنام، بتوقيتها هي. أصبحتُها. واتخذتُ من الثاثلة فجراً توقيتاً جديداً يدلني إلى ليلي ونهاري. ومذ أصبحت أغفو عند الرابعة، حين تغفو قططي، لم يعد هناك من خوف. لم أعد أخاف القذائف. ولا الزلازل. لأني أنتظرها. لأني لا أستسلم للنوم الذي يعرّيني.كل القذائف التي رماها العدو، كنت مستقيظة أنتظرها. كما الليلة الفائتة. عند آخر اعتداء على الضاحية.علّمتني قطط الثالثة فجراً، أن هذا هو وقت حدوث النابض فينا. هو وقت الحياة التي تصرخ لتخرج من حنجرة أرعبها المنبّه، أرعبها الإنتاج، والتصفيق الفايسبوكي والهالات السوداء تحت العيون. قططي تراني قطة كبيرة وخرقاء. لكنها تعلم أني سأنجو. لأني أصطاد عند الثالثة فجراً، الغارات أيضاً.