تتوغل إسرائيل في غزة، في جنوب سوريا، في أرض لبنان وسمائه. الجغرافيا مستباحة من صحراء سيناء إلى صحراء الأنبار. وحيث لا تتوغل ولا تقصف هي أيضاً تسيطر وتهيمن على مصائر دول وحكومات وشعوب.. و"أقليات"!ليست إسرائيل القوية وحسب، بل هذا الضعف الساحق الذي حطم الحدود والمجتمعات وفتت الكيانات على نحو يصعب معه الحديث عن أوطان تامة ودول مكتملة. ضعف لم تنزله إسرائيل فينا بسبب تفوقها العسكري والتكنولوجي، إنما هو أيضاً حصيلة ما اقترفناه على مدى نصف قرن من سلسلة إخفاقات أفضت إلى فشل تاريخي، يرتسم اليوم بأكبر هزيمة حضارية منذ سقوط السلطنة العثمانية.
القضية الفلسطينية وقد باتت يتيمة راهناً، انتقلت من مسار أوسلو إلى شبه "حرب أهلية" مصغرة منذ العام 2007، أفضت إلى دويلة مسلحة في غزة ودويلة عاجزة في الضفة، وفتحت المجال أمام مشروع إسرائيل لتصفيتها. كان الانقسام هو الباب العريض الذي دخلته إسرائيل للقضاء على دولة فلسطين المنشودة. غزة اليوم بين الإبادة والتهجير. الضفة اليوم بين الابتلاع والفصل العنصري والتهجير. أي أفق هذا؟
المسألة اللبنانية، راحت من إنجاز التحرير عام 2000 وإنجاز السيادة 2005، إلى احتراب أهلي، يتقلب بين البارد والفاتر والحار، نشأت عنه دويلة مذهبية مسلحة ودولة متهالكة تتناتشها عصبة أمراء الطوائف ومافيات المال والمصارف، فانتهت إلى الانهيار الشامل والقعر الصفري. ومن هذا القعر انطلقت الصواريخ الهزلية مستجلبة أشد الحروب تدميراً. وكانت الحصيلة اليوم: إما استئناف الحرب على لبنان، أو "مفاوضات" الاستسلام الشامل. وفي الأثناء، استباحة لا راد لها (وبرعاية دولية) للأرض والسماء والبشر، قصفاً واغتيالاً واحتلالاً.
المأساة السورية المبتدئة على الأقل منذ العام 2011، استقرت بعد هروب الأسد وعصابته، على جغرافيا ونفوس ممزقة، وهويات متذررة، وخراب اقتصادي وعمراني واجتماعي يوازي خراب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وبجيش مدمر، وحدود مستباحة، وإفلاس مالي، وميليشيات مسلحة تستسهل الحروب الأهلية. ساحة مفضلة لإسرائيل كي تلعب كما يحلو لها.لن نتوسع إلى ما هو حال العراق أو اليمن، وسائر "كيانات" الزواج القسري بين الميليشيات والدولة، زواج قسري بين الصواريخ والمدارس، بين الكلاشينكوف والمستشفيات، بين صناعة المخدرات ومحاربة التصحر..
هكذا، على مدى خمسين عاماً من حروب أهلية وإقليمية وكونية، صاحبتها هستيريا جماعات وشعوب بالعودة إلى ماضٍ ديني طائفي متخيل أو مفتعل أو مشوه أو مؤسطر، ورافقتها ديكتاتوريات دموية وميليشيات "مقدسة".. انتهى الحال إلى إدقاع أخلاقي وسياسي واقتصادي وعلمي وثقافي لا يمكن معه الاستمرار بادعاء أي انتصار، إلهي أو بشري.طموح أهل غزة النجاة. طموح أهل لبنان عودة الكهرباء. طموح أهل سوريا تجنب الحرب الأهلية.
شعوب تقرِّر مصيرها قوافل المساعدات، رفع العقوبات، وقف القصف ليس إلا. لا أحد يسرح خياله في مسائل مستوى الدخل، نسب النمو، ضمان الشيخوخة، ميزانية البحث العلمي، التطوير العقاري، أو مسائل السياحة، نظافة المياه، الطاقة البديلة، الحكومات الإلكترونية وسائر المشاريع التي تهتم بها المجتمعات الطبيعية.قد يبدو ليس "صواباً سياسياً" إعلان الهزيمة. فنتيجة الاستسلام وتسليم مصيرنا إلى عالم ترامب ونتنياهو وأشباههما، أقرب إلى الاندحار الشامل. مع ذلك، المكابرة أيضاً أقرب إلى الانتحار.
هذا هو المأزق اليوم. ولا نملك ترف التهرب من تبعاته.