سجن القبة في طرابلس ليس مجرد جدران عالية وزنزانة ضيقة، بل مرآة لواقع يُراد له أن يبقى في العتمة. هنا، حيث يختلط الاكتظاظ بالمرض، وحيث لا يجد السجناء مساحةً تكفي أنفاسهم، بات فيروس H1N1 ضيفًا ثقيلًا يفتك بالأجساد الهزيلة دون أي تدخّل طبي يُذكر.متروكون بلا تدخل طبييقول أحد السجناء في تسجيل صوتي حصلت عليه "المدن": "نحن عند دولتنا مش بشر، نحن أقل من حيوانات"، ملخصاً وضعهم الحالي، ومأساة تتعدّى انتشار الوباء إلى إهمالٍ ممنهج يحكم على النزلاء بالموت البطيء.الوضع يُرثى له في القبة، كما يؤكد السجين. ويقول: "يا بيلحقونا هلق يا لا"، قاصداً أن الوضع الصحي لبعض زملائهم حرج وخطير. ويشرح أنهم متروكون بلا دواء، ولا طبيب، ولا سرير، ولا ماء، ولا طعام كافٍ. والمرضى مرميّون على الأرض، يرتجفون من الحمى، وأجسادهم تحترق من الداخل، من دون أي تدخل طبي. هذا فيما عدد إصابات بهذا الفيروس ترتفع كل يوم. ويشكو أنه في الخارج، تصدر بيانات وتصريحات عن "متابعة الملف"، أما في الداخل، فالموت يزحف ببطء على الأجساد المحاصرة.مناشدة الرئيس سلامفي ظل هذه المعاناة المتصاعدة، طالبت الناشطة الحقوقية رائدة الصلح، عضو لجنة أهالي السجناء، رئيس الحكومة نواف سلام بزيارة ميدانية عاجلة للسجون، وخصوصاً سجن القبة الذي يشهد أوضاعًا مأساوية. وأضافت: "نوجه نداءً عاجلاً رأفة بالإنسانية إلى رئيس الحكومة، صاحب الخبرة القضائية والقانونية، أن يولي هذا الملف اهتمامًا شخصيًا وعاجلًا". وتمنت "على رئيس الحكومة أن يدرك حجم الكارثة، وأن يكلف مستشاريه بدراسة واقع السجون عن كثب، ليتضح له بجلاء أن الحلول النظرية لا تجدي نفعًا في مواجهة هذا الملف المعقد".انتشار واسع للمرض في بيئة موبوءةفي التفاصيل يتسع سجن القبة لـ400 سجين كحد أقصى، لكنه يضم الآن أكثر من 900 سجين. وضع كارثي يتمثل بوجود 60 سجينًا في غرفة بالكاد تتّسع لعشرين شخصًا. لا إجراءات وقائية، ولا مسافة كافية بين جسد وآخر، ولا عزل ولا فرصة للنجاة عندما يقرّر الفيروس أن يطرق باب الزنزانة. لكن انتشار فيروس H1N1 ليس سوى جزء من المشهد. فالسجن بيئة خصبة لكل الأمراض التي تجد في الاكتظاظ وانعدام التهوئة والنظافة حاضنة مثالية. ومن هذه الأمراض السلّ، والجرب، والتهابات رئوية، وأمراض جلدية، وصولًا إلى الفيروسات القاتلة. كل ذلك يحدث في ظل انعدام أبسط شروط الرعاية الصحية، حيث الطبيب – إن وُجد – لا يزور المرضى إلا لمامًا، والأدوية بالكاد تكفي لمن استطاع إليها سبيلًا.كارثة إنسانية تهدد حياة السجناءبحسب الصلح الوباء لا يدخل من نوافذ السجن، بل يُحمل إليه. فالموقوفون المنهكون من جرّهم إلى المحاكم وإعادتهم إلى زنازينهم، هم ناقلو العدوى الأساسيون. ينقلون بلا تدابير وقائية، بلا كمامات، بلا فحوصات دورية. وقاعات المحاكم تتحوّل إلى محطات تفشٍّ، وحين يعود السجين إلى زنزانته، لا يعود وحده، بل يصطحب معه المرض إلى رفاقه. وهكذا، تنتشر العدوى، ويبقى العلاج مؤجّلًا في انتظار معجزة، أو موت صامت في زاوية الزنزانة.ورغم أن المستشفى الحكومي يقع على مسافة قصيرة من سجن القبة، إلا أن السجناء المرضى يعانون من رفض المستشفيات الحكومية استقبالهم. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، باتت العناية الصحية مكلفة للغاية، ما يجعل علاجهم على نفقتهم الخاصة أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الأهالي الذين يكابدون لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.وفي هذا السياق، يشير المحامي المدافع عن حقوق الإنسان، محمد صبلوح، إلى أن "الحالات المصابة يجب أن تُعزل وتُوضع في أسرة منفردة داخل المستشفى الحكومي"، مطالبًا بضرورة اتخاذ إجراءات فورية للحفاظ على صحة السجناء وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم.تسريع المحاكمات والعفوويلفت صبلوح والصلح إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على الاكتظاظ أو التأخير في المحاكمات، بل أصبحت السجون بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، حيث تُترك الأجساد الهزيلة لمصيرها بلا أي تحرّك فعلي من الجهات المعنية. وسجن القبة بحاجة إلى علاجٍ يوقف عدّاد الضحايا قبل أن يتحوّل الفيروس إلى حكم بالإعدام الجماعي.من ناحيتها تعتبر الصلح أنه "لا يمكن لأي محكمة، مهما بلغت كفاءة قضاتها، أن تبت في قضايا 8500 موقوف في ظل قصور العدل المتهالكة، وغياب المكننة، وشحّ الإمكانيات الأساسية من كهرباء وموارد لوجستية".وتؤكد أن "الحديث عن تسريع المحاكمات في هذا الواقع يبقى في الإطار النظري، ولا يمكن تطبيقه عمليًا، بل إن أي تسريع قسري للمحاكمات، في ظل هذه الظروف، ما هو إلا ظلم جديد يضاف إلى معاناة السجناء".وتشدد الصلح على أن "لا حل فعليًا إلا العفو العام وفتح صفحة جديدة تطوي صفحة الظلم في العهد الجديد"، معتبرة أن هذا هو السبيل الوحيد لمعالجة الوضع بشكل جذري وتحقيق العدالة للسجناء الذين يعيشون في ظروف غير إنسانية.