2025- 04 - 04   |   بحث في الموقع  
logo تعديلات قانون الأحوال الشخصية بالعراق.. "مذبحة معنوية نسوية" logo لهذه الأسباب حزب الله لن يسلم سلاحه! logo سوريا: رسائل دمج الوزارات.. فعالية أكثر أم خصخصة ونيو-ليبرالية؟ logo برّي يُحدد الخطوط العريضة لتحالفات "أمل" بلدياً: على القطعة logo دمشق: غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية في محيط الكسوة logo الصدي يطلع الرئيس عون على شؤون وزارته ويلتقي ممثلة الفاو logo قطر تنفي تقليلها من جهود مصر بعملية الوساطة بغزة logo إيران تسحب عناصرها العسكريين من اليمن..هل تخلت عن الحوثيين؟
ربيع دمشق وخريف باريس 1936…حين تواطأ السوريون على سوريا
2025-04-03 13:26:06

بعد سلسلة من ست مقالات ضمن ملف "لحظات سوريا الفارقة...قبل الأسد"، هنا حلقة سابعة عن الثورة السورية الكبرى التي لم تخمد جذوتها، إلا وقد خلّفت لمآلاتها نهاياتٍ مفتوحة، مورثة البلاد تركة ثقيلة سيكون على السوريين مواجهتها كأقدار محتومة، حتى لحظتهم هذه، ولعلّ مما يجدر بهم فعله قبل مكابدتها، فهمُها وتحليلها ومن ثمّ البناء عليها.ما زالت مقاربة العرب والسوريين منهم على وجه الخصوص، للسياسة، مثقلة باختلاط المفاهيم والتصوّرات، تؤثر فيها بقوّة مولّدات وعي لم يكن من بينها تناول هادئ ولو لمرّة واحدة لشروط الواقع، يفضي إلى التعامل معه بعقلانية. وقد بدا ذلك في كل العهود التي يصفها المؤرخون بعهود الاستقلال والتحرّر، وتطوّر وازداد تعقيداً في الأزمنة الحالية.قبل أن يغادر وفد الكتلة الوطنية، بعد الإضراب الخمسيني في ربيع دمشق 1936، إلى باريس، للتفاوض على معاهدة استقلال، كانت سوريا تشهد ولادة طبقة سياسية جديدة إلى جوار البورجوازية الوطنية التي تصدّرت المشهد. هي طبقة ولّدتها المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والحاجة إلى ربط الطبقات العليا في المجتمع بالتطلعات الشعبية، بعدما طالب عددٌ من المتعلّمين المتحدرين من أصول فلاحية، وبعض أبناء الحرفيين والتجار الصغار وموظفي الدولة الناشئة، بنوعٍ من "الأحقية السياسية" للمشاركة في القرار الوطني. كانت الأحزاب المتبقية آنذاك تستوعب هؤلاء، ومن خلالها طالبوا بكسر احتكار الكتلة الوطنية للقرار السياسي، معتبرين، بحكم جذورهم الاجتماعية والطبقية، أن احتكار البورجوازية الوطنية للقيادة السياسية يعتدي على العدالة الاجتماعية، والثغرة التي تمكنوا من المرور خلالها كانت أول تواطؤ عبّرت عنه الكتلة، بتخليها عن "الوحدة العربية" التي خشيت أنها ستؤثر في مفاوضاتها في باريس.
(تحركات في دمشق)الحاضن الذي تمكّن من تصدير هذه الأصوات، كان "عصبة العمل القومي" التي نشأت قبل ثلاث سنوات من بدء مفاوضات باريس، في قرنايل بمحافظة جبل لبنان، بقيادة عبدالرزاق دندشي وأحمد شرباتي وعرفان الجلاد وشفيق سليمان، والتي رفعت شعار "العروبة أولاً". وسرعان ما انضم إليها واصف كمال وأكرم زعيتر وقسطنطين زريق وجبران شامية وكاظم الصلح، وتقي الدين الصلح، وضمت أعضاء من سوريا ولبنان وفلسطين والعراق.رفضت "عصبة العمل القومي" الاعتراف بحدود سايكس بيكو، وحاولت منافسة الكتلة الوطنية في الاستحواذ على الشارع السوري، وعزّز وجود شخصيات مثل زكي الأرسوزي وجلال السيد، من خطابها القومي على حساب الخطاب الوطني المحصور في ما رسمه الانتداب الفرنسي من حدود للعمل السياسي، وسيصبح شعار العصبة الأكثر انتشاراً آنذاك بيت بدوي الجبل "ليس بين العراق والشام حدٌّ/ هدم الله ما بنوا من حدود". وبدأ انقسام كبير يظهر حيال ما يجري في فلسطين التي شهدت ثورة عارمة العام 1936، لم تفصح الكتلة الوطنية عن موقف صلب تجاهها، بينما دعمتها عصبة العمل القومي بقوة. الكفّ الأسوَد والأفنديّة
قلة تتبعوا الدوافع الأصلية المحرّكة لواحد من الذين رفضوا هزيمة الثورة السورية الكبرى، ونادراً ما رُبط عمله السياسي والنضالي بالوازع الديني، بينما كانت نوازع أخرى تسهم في نشوء حركته التي ما زالت تفعل فعلها في المشهد العربي والسوري والفلسطيني حتى لحظة قراءتك لهذه السطور.مَن عنيته بالكلمات السابقة هو عز الدين القسّام، الذي درس في الأزهر وعاد إلى مدينته جبلة في الساحل السوري، رافضاً هيمنة "الأفندية" على المجتمع، مشيحاً بوجهه عن زيارة ديب الأفندي الذي كانت أسرة القسام تعمل في أملاكه وضياعه. واعتبر القسّام أن مواصلة الرضوخ لهؤلاء الملاكين مهينٌ له وللدرجة العلمية التي تحصّل عليها، وبدأ في حركة تنوير اجتماعية واسعة، من خلال دروسه في المدرسة التي أسسها بنفسه، موجّهاً نقده ضد الإقطاعيين الذين حاولوا نفيه، لكنه كان يعود دوماً لمواصلة تدريس تفسير القرآن الكريم والحديث النبوي في جامع إبراهيم بن أدهم بجبلة، ومسجد المنصوري التاريخي فيها.
(هاشم الاتاسي)حارب القسّام، متطوعاً، في ليبيا ضد الإيطاليين، والتقى عمر المختار وأوصل إليه تبرعات السوريين، ودافع عن دمشق في الحرب العالمية الأولى، ثم ألقى السلاح مع اندلاع الثورة العربية، عائداً إلى جبلة. وحين احتل الفرنسيون الساحل السوري باع بيته وخرج متخفياً إلى جبل صهيون لنصب الكمائن لجنودهم، فحُكم عليه بالإعدام، ما اضطره إلى اللجوء إلى حيفا في فلسطين حيث كان عليه أن يواجه البريطانيين بدلاً من الفرنسيين. وقضى القسام 14 عاماً في فلسطين، مركّزاً نشاطه على الفلاحين والبسطاء، بالتوازي مع اهتمام آخرين بهم في سوريا ولبنان، وكان لتثوير هؤلاء أثرٌ كبير في إعادة تقديم العمل السياسي الذي قادته الكتلة الوطنية باسم السوريين. وحين حلّ شتاء 1935، كان على القسام أن يلقي آخر خطبه في جامع الاستقلال بحيفا، معلناً انتهاء العمل السلمي، ومحرّضاً على الجهاد "أيها الناس، لقد علّمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالماً بها، وعلّمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون". وانطلاقاً من جنين، وعبر مجموعته التي سمّاها "الكفّ الأسود" -النسخة الأولى من "كتائب عز الدين القسام" التابعة لحركة حماس اليوم- أخذ القسام يخوض حرب العصابات التي نشهد الآن في غزّة، كما خلال العقود الماضية، بأجيال جديدة على أيدي الذين استلهموا ثورة القسام وأطلقوا على فصائلهم أسماء مستوحاة من اسمه. قُتل القسّام برصاصة في جبينه، وأشعل مقتله ثورة في فلسطين دامت أربع سنوات، في حين كان ممثلو الوكالة اليهودية يستعدون لزيارة دمشق للقاء زعماء الكتلة الوطنية ومناقشة مستقبل الاستيطان اليهودي.
كان ممثل الوكالة اليهودية إلياهو إيلات(أبشتاين)، ومن خلفه رئيس الدائرة السياسية للوكالة موشيه شاريت يسعى إلى الحصول على موقف داعم من الكتلة الوطنية السورية لنشاط الاستيطان وتطبيق وعد بلفور في إقامة الدولة اليهودية. وفي روما في 17 تموز/يوليو1936 باءت جهود أبشتاين مع فخري البارودي بالفشل في بداية الأمر، إذ أبلغ البارودي أبشتاين صراحة أنه "لا قوة في العالم بإمكانها إيقاف الثورة الفلسطينية من دون الاستجابة لشروط مسبقة، وأنّ مفتاح وقف الثورة في فلسطين هو وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن دون وقف الهجرة لا يمكن الحديث عن اتفاقٍ بين العرب واليهود في فلسطين. فمطلب وقف الهجرة اليهودية هو أهمّ مطالب الثورة في فلسطين، ولن يوقف الفلسطينيون ثورتهم من دون وقف الهجرة اليهودية". وناور البارودي مع أبشتاين ناصحاً إياه بدعم جهود الوفد السوري المفاوض في باريس، "كي لا يعود المفاوضون السوريون إلى دمشق بخفي حنين"، وفقاً لما يرويه إيلياهو ساسون في كتابه "بيديرخ إلى هشلوم - في الطريق إلى السلام" الصادر في العام 1978 في تل أبيب، وكذلك محمود محارب في كتابه "العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى" الصادر عن جسور للترجمة والنشر العام 2021.بعد ذلك، شهدت بلودان في ريف دمشق، الاجتماع الأول بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية في مطلع آب/أغسطس1936، أثناء وجود وفد الكتلة الوطنية في باريس للتفاوض على استقلال سوريا. وكان الوفد السوري في بلودان حينها، برئاسة شكري القوتلي ولطفي الحفار، بينما مثّل الوكالة اليهودية إيلياهو إيلات (أبشتاين) وعاموس لندمان وإيلياهو ساسون وديفيد هكوهين وديفيد لوزيه. وعقدت خمسة اجتماعات بعد اجتماع بلودان، في دمشق وباريس، من بينها اجتماع مع شكري القوتلي وزير الدفاع والمالية في بيته بدمشق يوم 8 كانون الثاني/ يناير1937 لتسليم القوتلي كافة محاضر الجلسات السابقة الرامية لعقد اتفاقية عربية يهودية.وعلى الرغم من تثبيت الأرشيف الإسرائيلي لموقف الكتلة الوطنية الرافض لما تدعيه الحركة الصهيونية من حق تاريخي في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، إلا أن طلب شكري القوتلي إبقاء الاجتماعات "سرّية" يحمل في طياته ما يحمله. خصوصاً حين تَرد في تلك المحادثات، مرات عديدة، عبارات من نوع "أعطينا تعليماتنا المشدّّدة لمدراء المدارس والمقاهي والسينما ورؤساء المساجد للامتناع عن القيام بأي دعاية حول الوضع في فلسطين"، وكذلك "دمشق لا ترسل مقاتلين إلى فلسطين"، كما جاء على لسان جميل مردم بك وغيره.وستتطور، لاحقاً، تلك المحاولات التي بذلتها الوكالة اليهودية لتصل إلى دروز سوريا في السويداء وشيوخ العقل فيها، حسب محارب، حيث استطاعت استمالة يوسف العيسمي وممارسة التأثير الذي سيحقّق مشروعاً نوقش آنذاك، نصّ على ترحيل دروز فلسطين إلى جبل الدروز في سوريا التي قالت الوكالة اليهودية وقتها إن عدد الدروز فيها سيزداد ويشكّل ثقلاً أكبر سيتم تمويله ودعمه لتعزيز نمو وازدهار جبل الدروز.في تلك الأجواء وخلال غياب وفد الكتلة الوطنية المفاوض في باريس، كان أعضاء الكتلة في سوريا يمنعون أي حركة احتجاج أو حوادث من شأنها أن تشوّش على الوفد، لمواجهة الشارع الذي كان قد بدأ يفرز قيادات جديدة غير تلك التي تقود التفاوض. فنظّم شباب دمشق الوطنيون أنفسهم، معلنين هيئة وطنية سمّوها "الشباب الوطني" ووضعوا لها قانوناً داخلياً، وفقاً لأنور العش في كتابه "في طريق الحرية" الذي صدر اعام 1936 عن دار الاعتدال بدمشق، وكان لافتاً صدور هذا الكتاب السياسي برعاية تجارية وإعلانية من معرض دمشق الدولي وبمقدّمة كتبها القاضي علي الطنطاوي والذي سينال شهرة واسعة لاحقاً ويصبح "الشيخ الطنطاوي". وقد أقام "الشباب الوطني" أول مؤتمر له في 21 أيار/مايو1936 في الملعب البلدي بدمشق وخطب فيهم منير العجلاني داعياً إلى "إطاعة الكتلة الوطنية طاعة لا مواربة فيها"… أما قَسَم الشباب الذي أعلنه الخطباء حينها فقد كان "الجهاد للوطن والطاعة للكتلة الوطنية"، وقد ردّد الناس خلفهم ذلك القَسَم، كما هاجم الدكتور أحمد السمّان في المؤتمر ذاته العصبيات الطائفية والإقليمية، قائلاً "إن سوريا عربية، ونحن أخصام السياسة الإقليمية التي تقول سوريا للسوريين". وقد شكّل "الشباب الوطني" فرقة "القمصان الحديدية" المسلّحة التي اتخذت زياً موحداً ونظاماً خاصاً بها وكانت لها فصائل تحت أسماء حماسية مثل "فرقة عمر بن الخطاب"، "فرقة يوسف العظمة" و"فرقة صلاح الدين".أميّةُ تُبعَث
تلك المواقف زادت الضغوط على وفد الكتلة الوطنية الذي سيفاوض الفرنسيين في باريس، ووافق الفرنسيون على مشاركة هاشم الأتاسي، فارس الخوري، سعد الله الجابري، جميل مردم بك، إدمون الحمصي، مصطفى الشهابي، نعيم الأنطاكي، أحمد اللحام، وإدمون الربّاط، بعدما صنع السوريون له حالة طقسية باذخة، ترافقت مع انتخاب أعضائه ثم في تفاصيل رحلتهم من دمشق إلى العاصمة الفرنسية.وقبل مغادرة الوفد إلى رياق، تقدّمت سيدة من مرم بك والجابري، وكانت تحمل مُصحفَين، فقالت إنها قد استخارت الله وفتحت القرآن على صفحة من دون تعيين فخرجت الآية "إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد"، وإن الرحلة ستكون موفقة منصورة. وكتب الشعراء قصائد عبّروا فيها عما سمّوه "أميّة تُبعَث" وألقى الشاعر أمجد طرابلسي قصيدة طويلة، من بين أبياتها:
"يا غضبة أمويّةً من جلّقٍ حَطَمتْ سلاسلَ صلبة وقيودا
أتلوم شعباً هبّ يطلب مجده ويعيد فخراً كالخلود تليدا
يا وفدُ سِرْ بحمى الإله وحفظه واستنجزِ المأمولَ والموعودا"أما الحكومة التركية فقد خصصت كتيبة لاستقبال الوفد ومرافقته في رحلته، وأظهرت دعمها لمهمته حتى غادر الأراضي التركية في الطريق إلى فرنسا.ولم يكد أعضاء الوفد يصلون العاصمة الفرنسية، حتى ظهرت في حلب جماعة دينية حملت اسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أخذ أفرادها يغلقون الملاهي والحانات ومَحَالّ الرقص. وكانت حلب قد شهدت قبل عام واحد، ولادة أول مكتب للإخوان المسلمين أطلق عليه مؤسسوه اسم "دار الأرقم" حسب دليل "الأحزاب السياسية في سوريا" الذي أصدرته دار الرواد بدمشق العام 1954.
(تحركات في دمشق)
وأبلغت الخارجية الفرنسية الوفد السوري أنها تلقت رسائل من مسيحيي سوريا ولبنان والعراق ومصر، ورد فيه: "اليوم مَنعوا المسيحيين من شرب الخمور، وغداً سيمنعونهم من دق أجراس الكنائس". وتلقت طلباً واضحاً من المسيحيين موجهاً إلى الدولة الفرنسية قالوا فيه "إننا نسترحم التشدّد في حماية الأقليات في المفاوضات مع الوفد السوري". وبدعم من الشيخ تاج الدين الحسني، أنشأت فئة من المسيحيين والأرمن في حلب وبعض المدن السورية، فرقة مسلّحة تحت اسم "الشارة البيضاء" هاجمت المصالح والمدنيين، وقد عبّر معظم مسيحيي حلب ومطارنة الأرمن عن رفضهم لممارسات "الشارة البيضاء" واستنكروها. وكان ردّ الوفد السوري سريعاً، فقد أوفد الجابري برقيةً عاجلة إلى حلب مخاطباً ممثله جميل إبراهيم قال فيها "بصفتي رئيس الكتلة الوطنية في حلب أكلّفك بقطع لسان كل من يقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حلب. إن هذا أمر يضرّ بالمفاوضات"، كما بعث بغصن زيتون إلى مطران حلب الذي كان يقيم آنذاك في باريس.وفي التوقيت ذاته، وصلت رسالة العلويين إلى الحكومة الفرنسية، وطالبوا فيها بإبقاء الحال على ما هي عليه، وعدم ضم الساحل السوري إلى الدولة السورية، رافضين بأي شكل كان وجود هاشم الأتاسي كرئيس في وفد التفاوض السوري. ويذكر المؤرخ الفرنسي دانييل لوغاك في كتابه "سورية في عهدة الجنرال الأسد" الصادر اعام 2006 عن دار مدبولي، أن رسالة العلويين أرسلت في 15 حزيران/يونيو1936 تحت الرقم 3547 في أرشيف في وزارة الخارجية الفرنسية، موجّهة إلى ليون بلوم رئيس الحكومة الفرنسية، ولعدد من قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وممّن وقّعوا عليها عزيز آغا الحواش، سليمان مرشد، محمد بك جنيد، محمد آغا جديد، سليمان الأحمد، وسليمان علي الأسد.وورد في تلك الرسالة أن "الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله، على مرّ السنين مقابل تضحيات كبيرة، يختلف بمعتقداته الدينية وتقاليده التاريخية عن تلك التي تخصّ الشعب المسلم السني، ولذلك فإن الشعب العلوي يرفض أن يكون مرتبطاً بسوريا المسلمة، لأن الدين الإسلامي يُعدُّ الدين الرسمي للدولة، وأن الإسلام يعدُّ العلويين كفاراً، وليس هناك من بوادر أمل بتغيير هذا الوضع، لهذا السبب، ستواجه الأقليات في سورية خطر الموت عندما ينتهي الانتداب".أما في الشمال الشرقي من سوريا، فقد تم توجيه ما عُرف بـ"مضبطة أعيان الجزيرة"، والتي رفض الموقعون عليها الوحدة مع الدولة السورية، مطالبين بدولة مستقلة ذاتياً في الجزيرة، على غرار دولتي الدروز والعلويين. وكما في حالة رسالة العلويين، فقد وُجّهت الرسالة إلى الرئيس الفرنسي ليون بلوم، وانضم إليها حاخام القامشلي مع نائب الجزيرة إبراهيم خليل باشا الملي، ونائب الجزيرة سعيد إسحق السرياني، وثلاثة من قادة جمعية "خويبون" الكردية، وهم قدري جميل باشا، ومحمود إبراهيم باشا الملي، وحاجو آغا، وعدد من شيوخ العشائر كطي والجبور وشمر وغيرها. بينما رفض هذه المضبطة وما جاء فيها شيخ مشايخ شمّر دهّام الهادي، رئيس فرع الكتلة الوطنية في الجزيرة، ومعه حلفاؤه من الأكراد والسريان، مؤكدين على وحدة الدولة السورية.كان وفد الكتلة الوطنية المفاوض في باريس يتعمّد إرسال تطمينات إلى الأقليات، في اتجاهين: نحو الداخل عبر تشكيلته التي ضمّت أربع مسيحيين من أصل أعضائه التسعة، ونحو الفرنسيين من جهة أخرى، حين استضاف مكتب الوفد في باريس مطران ديار بكر أثناء المفاوضات، وأصدر بياناً تفاخر فيه بأنه أعطى الأقليات والطوائف حقوقاً قبل عصبة الأمم وقبل فرنسا ذاتها. والسوفيات من جانبهم رفضوا البقاء بعيداً من مفاوضات باريس، فأرسلوا خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري وقتها، إلى باريس، آتياً من موسكو حيث كان يقيم، ليكون قريباً مما يجري.أما في السويداء فقد مُنع الزعماء الوطنيون الدروز بالقوة من عقد ثلاث اجتماعات تدعو إلى التمسك بوحدة سوريا في كفر اللحى والمجدل وعين طيجة، فانتقلوا إلى العاصمة دمشق فراراً من ضغط القِوَى الانفصالية التي بعثت بدورها ببيانات نشرت في الصحافة الفرنسية تنادي بالانفصال عن سوريا. بينما أصدر الوطنيون الدروز بياناً يلتزم بتفويض الوفد السوري في باريس وبوحدة سوريا، وقعه بالنيابة عن المجتمعين في دمشق الأمير أبو علي مصطفى الأطرش.انتخابات وابتهالات
لتخفيف الضغوط على الوفد السوري في باريس، كتب النائب الفرنسي المسيو بول كاباني، مقالاً في الصحافة الفرنسية قال فيه "إن سوريا مدّنت العالم، ولا يجوز أن تُستعمر"، وكان التفاوض يجري يومياً بين الوفدين السوري والفرنسي، لثلاث أو أربع ساعات متواصلة، توقفت 15 يوماً ريثما تعلن نتائج الانتخابات الفرنسية، وظل خلالها أعضاء الوفد السوري يبتهلون إلى الله كي تفوز الجبهة الشعبية لأنها ستتفهّم مطالب السوريين.وعلى مدى ستة شهور، عُقدت جلسات تفاوض خلصت إلى عقد معاهدة تحالف بين فرنسا وسوريا مدتها 25 عاماً، على أن تحصل سوريا على استقلالها خلال "فترة انتقالية" مدتها ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ توقيع المعاهدة. ونصّت المعاهدة على أن تدعم فرنسا سوريا في الدخول إلي عصبة الأمم، مقابل السماح لفرنسا بالاحتفاظ بقاعدتين عسكريتين جويتين في سوريا للضرورات، هما قاعدتا المزة والنيرب، وتُبقي فرنسا جنودها في اللاذقية وجبل الدروز خمس سنوات على ألا يعدّ هذا احتلالاً ولا يمس بسيادة الدولة السورية، كما تعطي فرنسا الحق للسوريين بتأسيس جيش وطني تشرف فرنسا على تسليحه، وبناء على المعاهدة تم ضم جبل العرب والساحل إلى الدولة السورية.كما قَبِل الوفد السوري بكل ما وقّعت عليه الحكومة الفرنسية من اتفاقيات مسبقة، وذلك سيعني ضمناً، وإن لم يكن إفصاحاً، الالتزام بإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، والموافقة على إعلان دولة لبنان، وإقرار ما اتفقت عليه فرنسا مع تركيا بخصوص اسكندرون. كما ألزمت المعاهدة السوريين بالقبول بنظام داخلي خاص للجزيرة والفرات، وبقبول اتفاق البنك السوري اللبناني، وعقود الموظفين الأجانب، وتعيين مستشارين فرنسيين، إلى جانب الاعتراف بحق فرنسا في الدفاع عن الأقليات، وسن قوانين خاصة بهم.وفي 21 كانون الأول/ديسمبر1936 نًصب هاشم الأتاسي رئيساً للدولة السورية، بعد إعادة العمل بدستور العام 1928 واختير جميل مردم بك رئيساً للحكومة، وفارس الخوري رئيساً للبرلمان، وسعدالله الجابري وزيرا للخارجية والداخلية، وشكري القوتلي وزيراً للدفاع والمالية. وصادق المجلس النيابي على معاهدة التحالف والصداقة مع فرنسا وأبرمت بنودها بقانون صدر بعد أيام. وقد صوّر أعضاء الكتلة الوطنية تلك المعاهدة على أنها "فتح عظيم" وقال عنها فارس الخوري في خطاب ألقاه في مدرج جامعة دمشق "ليس في المعاهدة التي كتبت بدماء الشهداء ما يمسّ استقلال سوريا. معاهدتنا معاهدة الندّ للند، وهي تؤيد استقلالنا الاقتصادي والسياسي وحرية التعاقد مع الحكومات العربية والأجنبية"، بينما بالغ جميل مردم بك في وصف المعاهدة بالقول إنها "عروس الشرق"، أما سعد الله الجابري فبلغ به الإعجاب بالمعاهدة إلى درجة القول "لم يبق لفرنسا إلا أن تعطينا مرسيليا".تلك المعاهدة وما رافقها من تجاذبات وضغوط وعبث في الكواليس، سترسم مسار الحياة السورية بدءاً من هذه اللحظة، وستزداد الشروخ التي ظهرت في الجزيرة والساحل وجبل الدروز، لتستحيل ناراً تحت الرماد. ومن عصبة العمل القومي سيولد تيارٌ لن يترك سوريا وشأنها حتى الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.(*) يتبع: الاغتيال الكبير وظهور "البعث"…وبداية تمزّق الهوية السورية


المدن



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2025
top