بعد مرور أكثر من عامين على إقرار قانون الإيجارات غير السكنية، تتجه الحكومة الحالية إلى نشر القانون في الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً منذ صباح اليوم الثالث من نيسان، لتبدأ عندها مرحلة جديدة في ملف الإيجارات غير السكنية.
لطالما شكل ملف الإيجارات القديمة تحدياً، وأزمة حقيقة عاشها المستأجرون والمالكون على حد سواء، بعدما سحبت الدولة اللبنانية يدها عن هذا الملف منذ عشرات السنين، وتركت كل من المستأجر والمالك يقفان في مواجهة بعضهما، على الرغم من أن الدولة مولجه بإجراء التصحيحات الأساسية لحل هذه الأزمة.
بعد امتناع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي عن إصدار قانون الإيجارات غير السكينة رغم إقراره في مجلس النواب، اتجهت الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام إلى اتخاذ خطوات أكثر ديناميكية، من خلال إصدار قرار بنشر القانون في الجريدة الرسمية، وهو ما قد يشكل فائدة كبيرة للمالكين الذين رحبوا بهذه الخطوة. ويرى المستأجرون، بأن قرار الحكومة، مأساوي ومجحف بحقهم، خصوصاً وأن المستأجرين لا يمانعون من التوصل إلى صيغة مشتركة ترضي الطرفين، بحسب ما أكده خليل إبراهيم، أحد المستأجرين. يقول لـ "المدن": تفاجأنا بسرعة القرار المتخذ من قبل الحكومة، على الرغم من أن القانون المقدم، من قبل المالكين لم تتم دراسته بشكل عادل، بل تم إقراره وتمريره. ويضيف: "لا يمانع المستأجر من التوصل لاتفاق مع المالك، تحمي مصالح مستأجري العقارات وحقوق مالكيها في الوقت نفسه، وتجبر الدولة على الالتزام بواجباتها تجاه فئة من مواطنيها ومساعدتهم للحصول إما على تعويضات، أو أماكن أخرى يمكن من خلالها ممارسة أعمالهم، إلا أنه تبين بأن مجلس النواب واللجان المولجة بدراسة هذا القانون لم تراع حقوق المستأجرين".
المالكون يرحّبون
يُعدّ إقرار القانون ونشره في الجريدة الرسمية، بالنسبة إلى مالكي الأبنية المؤجرة، إنصافاً لحقوقهم التي سلبت منهم منذ سنوات وتحديداً منذ اكثر من 40 عاماً، بحسب ما يؤكد رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة القديمة باتريك رزق الله. يقول لـ"المدن": "يُعدّ القانون نقلة نوعية في عودة الحقوق لأصحابها، خصوصاً وأن هناك العديد من العائدات المالية من المأجور لا يمكن التعويل عليها، ولا تتخطى في أفضل الأحوال حاجز 10 دولارات سنوياً".
وبحسب رزق الله "تأثر جميع مالكي العقارات من القوانين القديمة التي أفقدتهم جزءاً كبيراً من ثرواتهم، وزادت من حدّة الأزمة بعد العام 2019، إثر انهيار سعر الصرف، لذا فإن اتجاه الحكومة الجديدة لنشر القانون، هو محاولة لتأمين الحد الأدنى من حقوق المالكين، وإنصافهم بعدما عانوا من ضعف الإيرادات المالية، وضياع عقاراتهم من خلال قوانين قديمة لم يتم تحديثها".
ماهية القانون
بموجب القانون الجديد، تحرر عقود الإيجارات بعد أربع سنوات من إقرار القانون ونشره، وتبدأ من السنة الأولى مرحلة تصحيح بدلات الإيجار من خلال رفع قيمتها إلى 25 في المئة من بدل المثل الذي يوازي 8 في المئة من قيمة المأجور، ومن ثم رفعها إلى 50 في المئة في السنة الثانية وإلى 100 في المئة في السنة الثالثة والرابعة.
كما يجيز القانون أيضاً للمالك، مطالبة المستأجر بالإخلاء، على أن يستلم المأجور بعد عامين من صدور القانون، وبالتالي، يستمر المستأجر بدفع بدلات الإيجار ذاتها التي اعتاد دفعها، ولكنه ملزم بإخلاء المأجور بعد سنتين. فعلى سبيل المثال، إن كانت قيمة الإيجار في العاصمة بيروت 50 ألف دولار، فإن بدل المثل يساوي 4000 دولار، يسدد المستأجر 1600 دولار في السنة الأولى، ومن ثم يرتفع المبلغ ليصبح 3200 دولار في السنة الثانية، و6400 دولار في السنة الثالثة والرابعة.
يتميز القانون وبمجرد نشره في الجريدة الرسمية، بقوته التنفيذية والإلزامية، إذ لا يتطلب أي تدخل من مجلس الوزراء لتنفيذه، سواء من خلال مراسيم تطبيقية أو أي قرارات حكومية، فيما تتطلب المادة 14 من القانون تدخلاً من وزارة المالية، والتي تتيح تطبيق إعفاءات على قيمة الإيجار لمدة عشر سنوات، بهدف تخفيف العبء عن المالكين في هذه المرحلة الانتقالية.
المستأجرون يستنكرون
يرفض المستأجرون القدامى تطبيق القانون في صيغته الحالية في ظل الأوضاع الاقتصادية والأزمات التي يعيشها لبنان، وتقول المحامية مايا جعارة أن المستأجرين القدامى، تفاجأوا بسرعة تقديم القانون ونشره في الجريدة الرسمية من دون سابق إنذار، خصوصاً وأن القرار جاء بالنشر قبل صدور رأي مجلس شورى الدولة بهذا الشأن. وتضيف لـ"المدن": "لا يوجد خلاف حول أحقية المالك في الحصول على مأجور، وعلى البدل العادل، إلا أن المشكلة تكمن في غياب العدالة لدى من سعى إلى سن القانون وتشريعه، وفرضه على المستأجرين".
وبحسب جعارة، القانون مجحف بحق المستأجرين لأسباب عديدة. من جهة، لم يأخذ بالاعتبار التطورات الاقتصادية والسياسية التي حصلت في لبنان خلال السنوات الماضية، ومن جهة ثانية، لا يعطي المستأجر أي مهلة لتدبير شؤونه المالية، ومن جهة ثالثة، يؤثر تطبيق القانون بصيغته النهائية على الوضع الاقتصادي اللبناني، إذ من غير المستبعد أن يؤدي ذلك إلى حدوث موجات إخلاء وإقفال الكثير من المؤسسات الاقتصادية.
ولا تقف حدود الشوائب التي تعترض القانون عند هذا الحد، على ما تقول جعارة، بل أيضاً بالقيمة التي يتوجب على المستأجر تسديدها، وتقول: "في جميع دول العالم، يأخذ قانون الإيجارات بالاعتبار مستوى التضخم، والأوضاع العامة في البلاد، وعلى أساسها يتم رفع قيمة الإيجارات". تضيف "في أكثر الدول استقراراً، لا ترتفع نسبة الإيجار عن 2 إلى 3 في المئة، أما في لبنان، فقد أقر القانون رفع القيمة عند 8 في المئة، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة مع الأوضاع الحالية ولا يوجد أي دولة في العالم تطبق هذه النسبة". كما أن المادة 10 من القانون تجبر الدولة على دفع 16 في المئة بدلاً من 8 في المئة، ما يعني أن الدولة التي تستأجر المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة والوزارات، ستضطر إلى دفع مبالغ كبيرة في ظل الأوضاع الحالية، أو قد تلجأ إلى إقفال بعض المؤسسات أو المدارس لترشيد الإنفاق.