كثيرة هي التفاصيل المرتبطة بالحكومة السورية الوليدة، لكن يمكن الملاحظة بأنها حاولت تحقيق نوع من التوازن بين "التكنوقراط" وتنوع المجتمع السوري، لجهة العرق والطائفة والجغرافيا، مع إسقاط الخلفيات السياسية، ما عدا 3 حقائب سيادية أساسية، و6 أخرى ذهبت لأشخاص محسوبين على هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ التابعة لها سابقاً في إدلب.
ولدت الحكومة السورية الانتقالية، الأولى بعد سقوط نظام الأسد، السبت الماضي، ضمن جلسة علنية في قصر الشعب في دمشق. وتتألف الحكومة من 23 وزيراً، من دون أن تتضمن منصب رئيس مجلس الوزراء، لأن الإعلان الدستوري المؤقت، اعتمد النظام الرئاسي، وبالتالي فإن الوزراء يتبعون مباشرة للرئيس السوري أحمد الشرع، وهو بذلك صاحب السلطة التنفيذية في الدولة.
وقال الشرع في كلمة بمناسبة عيد الفطر، الاثنين، إن الحكومة راعت قدر المستطاع اختيار الأكفّاء والتوسّع والانتشار والمحافظات وتنوّع المجتمع السوري. وأضاف "رفضنا المحاصصة الطائفية، وذهبنا باتجاه المشاركة، ولم نستجب لأي حالة من حالات التقسيم، لأن التقسيم السياسي سيدفع لحالة من التعطيل".
إسقاط الخلفيات
يمكن ملاحظة تفاصيل ما قاله الشرع بشكل أساسي، من خلال اختيار وزراء النقل يعرب بدر، والاقتصاد محمد نضال الشعار، والتربية والتعليم محمد تركو، والزراعة أمجد بدر، والشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات.
فالوزير بدر المنحدر من اللاذقية، محسوب بشكل أو بآخر على النظام المخلوع، إذ أنه من كوادر حزب "البعث" سابقاً، كما سبق أن شغل حقيبة النقل، في الفترة الممتدة ما بين 2006 و2011، لكن اختياره وقع على الأرجح، لطائفته العلوية، وتخصصه في مجال النقل، أي الموازنة ما بين "التكنوقراط" واللون الطائفي، وبالتالي تم إسقاط خلفيته السياسية.
وعلى المنوال نفسه، تم إغفال شغل الشعار منصب وزير الاقتصاد والتجارة بين العامين 2011 و2012، وكذلك الحال بالنسبة للوزير تركو الذي كان حتى الأشهر الأخيرة ما قبل سقوط النظام، يشغل نائب رئيس جامعة دمشق، مع تعذر معرفة علاقتهما بحزب "البعث" بشكل أساسي.
والمرجح أن اختيار تركو وقع لأنه كردي بشكل أساسي، وبالتالي تمثيل الأكراد في الحكومة، وهو ما غاب عن آخر 3 حكومات على عهد النظام المخلوع على الأقل، كما أنه غير محسوب سياسياً على التيارات والأحزاب الكردية أو على قوات سوريا الدمقراطية (قسد)، بينما السيرة الذاتية للوزير الشعار، كانت وراء اختياره بشكل أساسي.
التنوع الطائفي والجغرافي
أما الوزير أمجد بدر، فهو من الطائفة الدرزية، ومن المحسوبين على المجتمع المدني وحراك السويداء. وشغل سابقاً منصب مدير مركز البحوث العلمية الزراعية في السويداء، إلا أنه فُصل تعسفياً من منصبه عام 2014، بسبب معارضته للنظام ومشاركته في الحراك.
الوزيرة هند قبوات، محسوبة على منظمات المجتمع المدني، وهي من عائلة مسيحية دمشقية، كما كانت عضواً في هيئة التفاوض المعارضة. وتشير السيرة الذاتية للوزيرة، إلى أن اختيارها كان على الأرجح بناءً على خبرتها الطويلة بالتعامل مع المجتمع السوري، لا على شهادتها الأكاديمية، مع سبب جوهري آخر هو ديانتها، إضافة لكونها المرأة الوحيدة في التشكيلة الحكومية.
وبناء على ما سبق، فإن الحكومة الجديدة، تضمنت منح الطائفة العلوية حقيبة وزارية واحدة، ومثلها للدروز والأكراد والمسيحيين، بينما بالمقياس المذهبي، فإن 3 وزراء فقط من غير الطائفة السُنية، لأن الوزير تركو محسوب عليها، أي أن 20 حقيبة وزارية ذهبت للسُنة.
ولجهة التوزع المناطقي، حلّت العاصمة دمشق وإدلب في المرتبة الأولى، بـ4 حقائب وزارية لكل منهما، ثم أتت حلب وديرالزور بـ3 حقائب لكل محافظة، تليهما حماة بحقيبتين، ثم ريف دمشق وطرطوس والحسكة وحمص والسويداء والقنيطرة واللاذقية، بحقيبة واحدة لكل محافظة، فيما كان غياب درعا عن التمثيل لافتاً، وغابت الرقة كذلك.
الحقائب السيادية
لم تسلم التشكيلة الجديدة من الهجوم والانتقاد، على الرغم من محاولة الشرع تلوينها طائفياً مع تطعيمها بـ"التكنوقراط"، وبأشخاص من خارج هيئة تحرير الشام، كي لا توصف بحكومة اللون الواحد.
ويرى المهاجمون أن هيئة تحرير الشام وحكومة "الإنقاذ" التابعة لها، يسيطرون على التشكيلة الجديدة، عبر استئثار الحقائب السيادية الأساسية، الداخلية والخارجية والدفاع، إضافة إلى 6 وزارات أخرى هي العدل، الطاقة، الإدارة المحلية والبيئة، الأشغال العامة والإسكان، التنمية الإدارية والرياضة والشباب، وبالتالي الاستحواذ على 9 حقائب.
وأسند الشرع حقائب الداخلية لأنس خطاب، والخارجية لأسعد الشيباني، والدفاع لمرهف أبو قصرة، والعدل لمظهر الويس، وهم شخصيات كانت ضمن الهيكلية الأساسية لتحرير الشام.
بينما أسند وزارة الطاقة لمحمد البشير، والإدارة المحلية لمحمد عنجراني، والأشغال العامة لمصطفى عبد الرزاق، والتنمية الإدارية لمحمد اسكاف، والرياضة والشباب لمحمد حامض، وهم شخصيات كانوا ضمن هيكلية "حكومة الإنقاذ" سابقاً.