نسي معظمنا قصّة فاطمة ووسام الطويل. الشقيقتان اللتان قفزتا من شرفة منزلهما في غزة العام 2022 هربًا من عنف والدهما، لتعيدهما السلطات إليه بعد لجوئهما إلى "بيت الأمان". كذلك الأمر بالنسبة إلى حنين حسام، "التيك توكر" المصرية التي وُجهت اليها تهمة الاتجار بالبشر بسبب فيديو راقص استفزّ "قيم الأسرة المصرية". وتارا فارس، التي أرداها رصاص مجهول في وسط بغداد. وزينب زعيتر، التي سقطت ضحية جريمة شرف. ومنال، وبسنت، ورولا، وكريستيل، وسارة، ورنا، وليال... أسماء كثيرة لنساء طُمسن تحت وطأة اضطهاد متكرر، منفلت من العقاب، يمتد من غرب آسيا إلى شمال إفريقيا. فما القاسم المشترك بينهن؟قمعٌ محليّ الصنعإنهن نساء عربيات، نساء سُلبت حريتهن، قُمعن، أو قُتلن، ليس بأيدي الاحتلال أو الأعداء، بل بأيدي مجتمعاتهن، عائلاتهن، وقوانينهن. هذه ليست قصصًا فردية، بل جزءاً من منظومة متكاملة من العنف الممنهج ضد المرأة التي تتضافر ضدّها مؤسسات المجتمع، من الأسرة إلى الحكومة والمحكمة، مروراً بالسلطات الدينية، وأحياناً الميليشيات المسلحّة. هذا الواقع الفريد يتشكّل تحت تأثير عوامل متشابكة، من موروث ثقافي وديني له كلمة الفصل في مسائل الحريات الشخصية، إلى أنظمة سياسية تنيط بالجماعة، وخصوصاً بذكورها، سلطة إنفاذ هذا العرف الذي يقوم مقام القانون.هي إذًا قضية محلية بامتياز، تحتاج إلى تأويل ينبع من واقعنا، ومعالجة نظرية وعملية تنطلق من تجاربنا الخاصة، وليس من كلاسيكيات الأدب النسوي التي صاغها مفكرون أميركيون وأوروبيون في منتصف القرن العشرين. لكن عندما يُطرح السؤال عن التحدي الأكبر الذي تواجهه المرأة العربية، فستجيبك النسويات، بلغة الرجل الأبيض وضحاياه، على الشكل التالي: الاستعمار، الرجل الأبيض، صعود اليمين، أو ربما السياسات النيوليبرالية.هذا هو صلب الخطاب النسوي السائد محليًا منذ عقود، والذي يتردّد صداه في الأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية، حيث يهيمن خبراء وحَمَلة شهادات "دراسات الجندر" على المشهد. وقد تصاعد هذا الخطاب مؤخراً على خلفية العدوان الإسرائيلي على غزة والمنطقة، الذي أعاد انتاج وحصر الاصطفافات السياسية والإيديولوجية في اطار دعم أو معاداة الإمبريالية الأميركية والاستعمار الغربي. لكن، هل تعني مناهضة الإمبريالية تجاهل أو تقبّل أساليب القمع المحلية؟النسوية العربية: أزمة نقديُفترض أن يكون النقد حجر الأساس في أي نظرية نسوية. فمنذ نشأتها، أبدعت النسويات في تفكيك البُنى السلطوية التي تحكم المجتمعات، من اللاوعي الجمعي إلى موسيقى البوب. ومع ذلك، تبدو النسوية العربية عاجزة عن تطوير رؤية نقدية تواكب واقع النساء في منطقة شهدت تحولات عاصفة خلال العامين الماضيين فقط، بينما لا تزال النسوية العربية عالقة في مقولات مستوردة من سياقات مختلفة وأطر تحليلية لم تعد تفسّر واقعها المحلي.المفارقة أن النسويات العربيات، رغم عدائهن لسلطة "الرجل الأبيض"، يستقين منها شرعية موقفهن. فهن يرددن نقد المثقفين الغربيين لثقافاتهم، مستعينات بمفاهيم ومواقف تُنتجها جامعات الغرب ودور نشره، من كولومبيا إلى أوكسفورد، من دون محاولة مواءمتها مع السياق المحلي. وكأن ثقافتنا، ثقافة الرجل والمرأة السمراوين —بكل ما فيها من إشكاليات—لا تستحق نقدًا مستقلًا، بل مجرد استعارة نقد الآخرين لأنفسهم، من جايمس بالدوين إلى جوديث باتلر.فمن الطبيعي أن تكون النيوليبرالية الاقتصادية وصعود اليمين المسيحي وأزمة "الضمائر" ضمن أولويات النضال النسوي في الغرب. فهي ببساطة مشاكل "العالم الأول" كما نقول بالدارج. لكن حصر مشاكل النساء في منطقتنا في البُعدين الاقتصادي والاستعماري، هو محاكاة للنموذج الغربي الذي يختزل أزمات النساء في إشكاليات الهوية.وذلك في حين تواجه النساء العربيات مآسي مثل الختان، والسبي، وجرائم الشرف، وتزويج القاصرات، وفرض قيود على حركتهن من دون مَحرم، ليصبح الهوس بالاستعمار ضرباً من التحريف والتضليل. وبينما تنشغل النسويات المناهضات للإمبريالية بمهاجمة "النسوية البيضاء"، فإن استيرادهن للمأزق الغربي مع الليبرالية، في سياقنا المحلي، هو في حد ذاته قمّة النسوية البيضاء. أما اليمين... فهل هو فعلًا حكرٌ على المسيحية؟(جوديث باتلر)تواجه النسويات العربيات اليوم مأزقاً مشابهاً لمعضلة النساء السوداوات في التعامل مع العنف الذكوري داخل مجتمعاتهن. فبينما يحاربن العنصرية البيضاء، يجدن أنفسهن أحياناً مضطرات للتغاضي عن قمع الرجل الأسود خشية تعزيز الصور النمطية التي يروّجها العنصريون.لكن الأمر عندنا لم يقتصر على التستر، بل وصل إلى تمجيد نماذج ذكورية في سياق صراع أكبر وأكثر أهمية. بحجة مناهضة الاستعمار، تبنّت نسويات عربيات شعارات تنظيمات جهادية لطالما حارَبَت النسوية وشيطَنَتها، فأبدين اعجاباًً عبقياً بصورة المجاهد الملثّم، وحبّاً أبوياً لنموذج الزعيم الطائفي. فتوجيه البوصلة نحو فلسطين يحتّم علينا، ليس فقط تقديم تنازلات لجماعات دينية مسلحة، بل أيضًا الوقوع في حبّ رموزها.هذه احدى النتائج الطبيعية لمقاربة العالم من منظور الهويات المضطهدة، حيث تُستحضر مظلومية لتبرير أخرى أو التقليل من شأنها. لكن ماذا لو تعارضت هذه الهويات؟ كأن تكوني امرأة عربية تعاني القمع بصيغتيه الاستعمارية والمحلية؟ أيهما تختارين، وأي جلادٍ تبرِّئين؟أما آن الأوان لنقد ذاتي؟تستفيد نسويات كثيرات في منطقتنا من الأطر النيوليبرالية للتعليم والعمل وبناء علاقات عابرة للحدود، وغالباً ما تنطلق مقارباتهن من موقع امتياز طبقي وثقافي يجعلهنّ، على نحو شبيه بالـwhite guilt (الذَّنب الأبيض)، يتماهين مع الفئات المهمشة أو المسحوقة. غير أن هذا التماهي مع دور الضحية لا يعكس واقعهن المادي والاقتصادي الذي تغذّيه البُنى السياسية والإقتصادية نفسها المُنتقَدة عند كلّ مفترق.وإن كان لا بد من النقد، فمن الأَولى أن يبدأ بالمساءلة الذاتية: مِن المؤسسات التي تنتمي إليها أو تديرها هؤلاء النسويات، إلى شبكة المصالح التي يدرن في فلكها. فمع مأسسة النسوية وتأطيرها داخل منظمات ووظائف ومقترحات مشاريع مصاغة بالكلمات المفتاحية المناسبة، أصبحت النسويات في طليعة المروّجات للفكر والاقتصاد الليبرالي في العالم العربي. لا يكفي إذاً الكلام النظري المجرّد عن النظام السياسي والاقتصادي، من دون أن يتضمن مراجعة لموقعهن فيه، كمستفيدات من تمويل منظمات وحكومات لا تنتمي، بطبيعة الحال، إلى مشاريع "اشتراكية" أو "تحررية".