قبل أيّام زار وفدٌ يمثل ناشطين وهيئات مدنية مسيحية بعض رؤساء الأحزاب المسيحية، بعيداً عن الأضواء، لاستطلاع رأيّهم في الإنتخابات البلديّة والإختياريّة التي ستقام مرحلتها الأولى في 4 أيّار المقبل بمحافظة جبل لبنان، غير أنّ أعضاء الوفد فوجئوا بأنّ أغلب رؤساء الأحزاب ممّن التقوهم طلبوا منهم رفع الصوت وتحذير الحكومة ورئيسها نوّاف سلام من تداعيات الخلل المتوقع في انتخابات بلدية بيروت، ومن أن تسفر النتائج عن فوز أغلبية من الأعضاء المسلمين بمجلس بلدية العاصمة، يكسر عُرف المناصفة الذي استمر قائماً في الإنتخابات البلديّة الأربع التي جرت بعد انتهاء الحرب الأهلية.
هذا القلق لدى مسيحيي العاصمة والأحزاب المسيحية يعود إلى أنّ الإنتخابات البلديّة في بيروت ستجري للمرّة الأولى بلا وجود مظلة سياسيّة واسعة ترعى وتحفظ عُرف المناصفة بين المسلمين والمسيحين، بعد انسحاب الرئيس سعد الحريري وتيّار المستقبل من المشهد وعدم وجود بديل يُعوّض غيابهما، وما كشفته بعض إستطلاعات الرأي بأنّ المسيحيين لن يفوزوا بأكثر من 4 ـ 5 أعضاء من أصل 24 عضواً يتكون منهم مجلس بلدية العاصمة، بسبب قانون الإنتخابات الأكثري وخارج القيد الطائفي ونتيجة الخلل الديموغرافي الكبير، ما دفع مرجعيات سياسية ودينية ومسيحية للتلويح بأنّه إذا أفرزت النتائج خللاّ بالتمثيل يكسر المناصفة فإن الاعضاء المسيحيين الفائزين سيستقيلون فوراً، ما سيؤدي إلى نشوء أزمة سياسية لن يكون تجاوزها سهلاً.
لكنّ أزمة مسيحيي بيروت وأحزابهم لا تقف عند هذا الحدّ، فالإنقسام بينهم يمنع قيام أيّ تعاون لردم الهوّة، ما أمكن، وخصوصاً الخلاف بين حزبي القوات اللبنانية والكتائب وحلفائهما من جهة، والتيّار الوطني الحرّ من جهة أخرى، ذلك أنّ الأخير يجد رفضاً واسعاً من قبل بقية الأحزاب المسيحية للتحالف والتعاون معه، سواء في بيروت أو في غيرها من البلديات، فضلاً عن ما سُرّب عن الحريري بأنّه يرفض التعاون مع القوّات والكتائب، ما جعل الكتل الناخبة لجمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) والجماعة الإسلامية في الشّارع السنّي وثنائي حزب الله وحركة أمل في الشّارع الشيعي هي من يتحكم مسبقاً بتحالفات ونتائج إنتخابات بلدية بيروت على حساب المسيحيين.
ويبدو أنّ أزمة المسيحيين وأحزابهم لا تقف فقط عند بلدية بيروت وحدها، ذلك لأن إنقساماتهم الداخلية والعميقة، وخسارتهم حلفاءهم السنّة والشّيعة واحداً تلو الآخر بفعل سياساتهم، ستفضي إلى أنّهم سيجدون أنفسهم أمام أزمات مشابهة لأزمة بلدية بيروت في جميع البلديات المختلطة، إسلامياً ومسيحياً، وهي أزمات سترتد عليهم سلباً إنْ لم يتداركوها قبل فوات الأوان.
واللافت في الأمر أنّ الإنتخابات البلديّة والإختيارية التي تصرّ جهات داخلية وخارجية على إجرائها في موعدها من أجل حشر حزب الله وكسر نفوذه وحضوره ضمن بيئته الحاضنة، بدأت تتحول إلى أزمة بين الأحزاب المسيحية، وبينهم وبين حلفائهم، إضافة إلى أزمات عائلية وسياسية ضمن بقية الأحزاب والطوائف، بدأت معالمها ترتسم على نحو تدريجي.
موقع سفير الشمال الإلكتروني