كان الكل ينتظر تشكيل الحكومة السورية الجديدة، ويتوقع منها الإجابة على الأسئلة الكثيرة التي لا تزال تحيط بالسلطة الجديدة. لكن تشكيلة الحكومة جاءت لا لترد على الأسئلة، بل لتعبر عن هواجسها بتوفير ضمانات استقرارها. وأظهرت أن السلطة متمسكة بتوجهها الذي يضع على رأس أولوياتها توفير ضمانات ترسيخ مرتكزات وجودها، وليس الرد على الأسئلة الكثيرة التي يطرحها الآخرون، وخصوصاً في الخارج، حول مدى انفصالها عن تاريخها كمنظمة مدرجة على قوائم الإرهاب في العالم.يرى البعض أن تشكيل الحكومة الجديدة حمل عدة رسائل يمكن حصرها بثلاث، موجهة بالدرجة الأولى إلى الغرب، الذي يتريث في رفع العقوبات كلياً التي فرضت على نظام الأسد المخلوع، وإلى المحيط الذي لم يتخطَ بعد الشكوك التي تساوره بشأن طبيعة النظام الذي ستستقر عليه السلطة الحالية. والرسالة الأولى التي يحملها تشكيل الحكومة تمثلت في تنفيذ الوعد الذي قطعته السلطة على نفسها بإنهاء المرحلة المؤقتة في آذار/مارس المنصرم. والرسالة الثانية تمثلت في التنوع الديني الإثني في تشكيلة الحكومة، حتى ولو لم تتمثل فيها "قسد". والرسالة الثالثة تمثلت في ما أعلنه الشرع من أن تشكيل الحكومة الجديدة يعلن القطع النهائي مع سوريا السابقة وصراعاتها، وبدء مرحلة التغيير وبناء دولة المؤسسات.
لكن السؤال يبقى ما إن كانت الحكومة الجديدة توحي للأطراف التي تم توجيه الرسائل إليها بالثقة وبأن المعلن يتطابق مع المضمر، وأن حرية الفرد الشخصية وحقوقه سيتم الإلتزام بصونها وعدم طغيان الأيديولوجية عليها.انبثقت الحكومة الجديدة من الإعلان الدستوري المؤقت الذي منح الحكومة الصفة الدستورية، والتي أرادتها وصاغت دستورها السلطة نفسها. فكثيرون يعتبرون أن التنوع الديني والإثني المنقوص الذي تميزت به الحكومة الجديدة، هو تغيير شكلي لم يغير من جوهر الحكومة المؤقتة السابقة.
فقد رأى kirill Cemenov الخبير في شؤون الشرق الأوسط بالمجلس الروسي للعلاقات الدولية RIAC في تواصل "المدن" معه، أن مجرد تشكيل حكومة جديدة لا يمكن أن يكون دليلاً على استقرار النظام الجديد. وقال إن الحكومة الجديدة لا تختلف عن السابقة بشيء وليست شاملة. وتشكيلها أقرب إلى إجراء بيروقراطي روتيني منه إلى رسالة موجهة إلى دول الشرق الأوسط.
ورأى أن استقرار النظام يمكن الحكم عليه من خلال إجراء انتخابات في سوريا. والمسألة تكمن في مدى فعالية الحكومة الجديدة. إذ أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية قد تدفع السوريين قريباً إلى التخلي عن دعم السلطة الجديدة.المتابع لشؤون الشرق الأوسط Igor Subbotin في صحيفة NG الاتحادية الروسية، لم يكن فيما أدلى به لـ"المدن" على هذا القدر من التشاؤم بشأن الحكومة السورية الجديدة. بل رأى في تشكيلها "محاولة واضحة" من قبل السلطة لإقناع الغرب بإلغاء العقوبات. كما رأى بأن التنوع الديني والإثني في الحكومة الجديدة، كان ضرورياً لدعم محاولة الإقناع هذه. إلا أنه يشير إلى عدم تمثيل "قسد" في التشكيلة الحكومية الجديدة، على الرغم من وجود كردي دمشقي فيها، لا يساهم في دعم محاولة الإقناع هذه . وقال إن غياب "قسد" يشير إلى استمرار وجود خلافات مع سلطة دمشق، على الرغم من الاتفاقية التي تم التوقيع عليها سابقاً. ووجد في ما نشرته "المدن" عن تأجيل إعلان الحكومة بسبب المفاوضات مع "قسد" دليلاً إضافياً على وجود هذه الخلافات.
ويرى أن دعوة وزير الاقتصاد الجديد نضال الشعار المجتمع الدولي للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، تشير إلى أن تشكيل الحكومة الجديدة يبدو محاولة تهدئة كل المخاوف وحث المجتمع الدولي على إلغاء العقوبات.
وأشار الصحافي إلى أن الرسمييين الأميركيين والأوروبيين، الذين تنقل عنهم صحيفة الواشنطن بوست، يعلنون بأنهم يتابعون بدقة مدى إلتزام الشرع بمبدأ الشمولية، وذلك من أجل البحث في إمكانية تحرير سوريا من العقوبات الغربية. لكنه رأى أن ليس من إشارات تدل على أن العقوبات سترفع في الفترة القريبة. ولتحقيق هذه الغاية، تطرح الدول الغربية مروحة واسعة من الشروط على سوريا، بما في ذلك تدمير مخزونات الأسلحة الكيميائية القديمة والتعاون في مكافحة الإرهاب. هذا إضافة إلى المطلب الخاص بضمان أمن الأقليات الدينية والإثنية. ويستشهد بتصريح الناطقة الصحافية بإسم الخارجية الأميركية تامي بروس، الذي أشارت فيه إلى أن الولايات المتحدة تتابع أعمال الحكومة السورية المؤقتة لكي تحدد سياستها المقبلة حيال سوريا. لكنها أضافت بأن دينامية العقوبات لا تتغير، وليس هناك في المرحلة الراهنة مخططات لتغييرها، "بل هي ستبقى".الصحافية Marianna Belenkaya التي كانت حتى فترة قريبة تتابع شؤون الشرق الأوسط في إحدى كبريات الصحف الروسية Kommersant، قالت لـ"المدن" إنه على الرغم من تشكيل حكومة سورية جديدة، من المبكر الحكم على استقرار نظام الشرع. فلا تزال السلطات في دمشق تعاني من العديد من المشاكل الداخلية التي لم يتم حلها. لكن الشرع يحاول في الوقت الراهن أن يثبت أن سوريا جاهزة للتغيير وأنه يسيطر على الوضع. ومن المهم أيضًا أنه لا ينوي التخلي عن السلطة، وهو يشغل منصبين في الوقت نفسه، رئيسًا للسلطة ورئيسًا للوزراء. والزمن كفيل بإظهار كيف سيتعامل مع الأمر.وكالة الأنباء الروسية REX نشرت في 30 المنصرم تقريراً عنونته بالقول "إلى متى ستصمد الحكومة الجديدة في سوريا؟".
بعد تقديم مختصر للنص، نقلت الوكالة عن الكاتب السياسي في الوكالة عينها Stanislav Tarasov تقييمه لتشكيل الحكومة السورية الجديدة. أشار الكاتب إلى قول الشرع في إعلانه عن تشكيل الحكومة إن مرحلة جديدة تبدأ في تطور سوريا. وقال إنه لأول مرة منذ 60 عاماً، أصبحت البلاد تمتلك حكومة من دون حزب البعث. وقد ألغى الإعلان الدستوري المؤقت مؤسسة مجلس الوزراء، وأنشأ نظاماً رئاسياً، وبالتالي لم يعد من الممكن في سوريا الحديث عن حكومة بالمعنى المؤسساتي، بل عن فريق وزراء يرأسه رئيس، وهو ما جذب اهتماماً متزايداً من قبل المسؤولين الأميركيين والأوروبيين. وسبق أن كان هؤلاء يشددون على تشكيل ما يسمى بالحكومة الشاملة، التي كانت تعتبر شرطاً على السلطة الانتقالية تنفيذه، من بين شروط أخرى، لرفع العقوبات عن سوريا.
توقف الكاتب عند الشخصيات الثلاث في الحكومة التي لم تكن في صفوف معارضة النظام المخلوع. وأشار إلى يعرب بدر الذي عاد وشغل منصب وزير النقل الذي سبق أن شغله بين العامين 2006 و2011. ونضال الشعار الذي يشغل منصب وزير الاقتصاد الذي شغله سابقاً لمدة عام فبل إنطلاق الثورة. وكذلك وزير التعليم الحالي محمد تريكو الذي سبق أن شغل منصب نائب رئيس جامعة دمشق. وهو الكردي الوحيد في التشكيلة الحالية، لكنه لا يمثل "قسد" أو أي حزب كردي آخر.
وقال الكاتب بأن التمثيل النسائي اقتصر على مقعد وزاري واحد شغلته إمرأة مسيحية. ويرى أن المشكلة الأكبر في التمثيل المناطقي تمثل في عدم تمثيل محافظة درعا التي توصف بأنها "مهد الثورة السورية"، في حين أن محافظة دير الزور حصلت على ثلاث حقائب.