يعترف الرئيس الراحل الدكتور سليم الحص في كتابه المعنون:" للحقيقة والتاريخ – تجارب الحكم ما بين 1998 و2000" أن التعيينات التي تمت ونفذت فترة رئاسته للحكومة مع الرئيس أميل لحود، لم تكن مثالية قائلا: "أن التعيينات التي أجريناها شابها شيء من المحاباة والمحسوبيات. ولو إنني شخصيا حرصت في كل الأوقات على الترفع عن الانغماس في لعبة التقاسم. فقد عبرت أو تسربت أسماء في التعيينات روعي في اختيارها جانب رئيس مجلس النواب. ولم أكن أنا الذي شاورته في شانها... بل كان رئيس الجمهورية أميل لحود هو الذي فعل.
كشف الحص وأماط اللثام، عن الخدعة التي تعرض لها من قبل لحود قائلا: "روعي في بعض التعيينات جانب نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية ميشال المر، الذي يمت إلى الرئيس لحود بصلة قربى ويتمتع بثقته المطلقة، فكانت الأسماء التي تهم نائب رئيس الوزراء تعرض علي بانها من ترشيحات رئيس الجمهورية، وكان الرئيس لحود يتبناها أمامي ويزكيها... ومضى الحص شارحا الواقع: "هكذا دخل الإدارة وبعض المجالس في زمن حكومتنا، من حيث لم أكن أريد، موظفون أو أعضاء في مجالس لم يكونوا هم الأفضل...".
أي أن الرئيس الحص وثق بلحود ولحود اخذ الأسماء من المر، الذي اقترح جماعته وأزلامه، وسيطر إلى فترة طويلة على اغلب مفاصل الإدارة اللبنانية بالمحاسيب المقربين والأزلام والمنتفعين الذين تم تعيينهم وزرعهم واقترحهم في أكثر من مفصل.
كان الرئيس الحص استثنائيا بكل ما للكلمة من معنى بنزاهته وطيبته ونقاء سريرته، وهو كان يملك الشجاعة الأدبية والشخصية للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبها أو وقع فيها، وتدوينها في كتاب أو كتب للعبرة من التجارب واسترجاع الدروس، ولكي يستفيد من يأتي بعده منها.
من ضمن هذه الأسباب، فان الرئيس فؤاد السنيورة، اقترح وطبق آلية للتعيينات فترة وجوده في رئاسة الحكومة، تقوم على حرية وسهولة وعلانية الترشح، للوظائف العامة والأساسية في الدولة، على أن يكون الاختيار وتصفية الاسماء المرشحة من قبل شخصيات ومؤسسات مستقلة. وقد تم تعيين أكثر من موظف قيادي في الدولة استنادا إلى هذه الآلية الجديدة الشفافة، وقد نفذ بموجب هذه الآلية عدة خطوات منها تعيين الهيئة الناظمة للاتصالات وأمين عام المجلس الأعلى للخصخصة وتعطلت بعد ذلك حكومة السنيورة لأسباب معروفة لا داع لتكرار ذكرها.
وبسبب تجارب المحاباة والاختيارات الزبائنية والمحسوبيات السابقة، التي شابت الممارسات الادارية في لبنان، أراد الرئيس الدكتور القاضي الدولي نواف سلام، تثبيت هذا المنطق وهذا التوجه، الذي لم يستطع من جاء من قبل المحافظة عليه بشكل ثابت.
انطلاقا من سمعته وتجربته في القضاء الدولي، والتزاما بشعار حكومة الإصلاح والإنقاذ، اقترح سلام بالتوافق مع الرئيس جوزاف عون، آلية للتعيينات أقرها مجلس الوزراء تقوم على مجموعة من المبادئ والمنطلقات والثوابت المهمة والمتقدمة، لإبعاد التعيينات القائمة المقبلة في بداية العهد الواعد عن المحسوبيات والاختيار الزبائني، على أن تستند إلى أصحاب الخبرة والعلم والكفاية المهنية والتميز المسلكي والسمعة الحسنة.
يبدو حتى الأن، وبالرغم من قرع الطبول الدعائية القائلة بالتغيير والتطوير والتحسين، وإعادة بناء الدولة على أسس نظيفة جديدة، يبدو أن هذا التوجه، أو هذه النوايا والرغبات الوطنية، والسلامية النقية، لا تلقى موافقة أو أجماعا لدى كل ائتلاف الحكم والسلطة الراهنة.
ثمة في الأجواء الراهنة "نتعات" عنترية فارغة متسرعة لن يكون استمرارها بوقع عابر ومريح. كأن يبادر رئيس الجمهورية، من دون أن ينتبه على الأغلب، إلى الاتصال بوزير الدفاع أو قائد الجيش طالبا الرد على النيران السورية.
رئيس الجمهورية ببساطة، ينطلق من انه القائد الأعلى للقوات المسلحة بحسب الدستور، لكن ربما لم ينتبه أن هذه القوات، تخضع لسلطة مجلس الوزراء.
رئيس الجمهورية صاحب النوايا الطيبة، والنشط والساعي دائما لمتابعة الأوضاع ومعالجة المشكلات يعرف أننا في لبنان لسنا في نظام رئاسي.
هناك أجواء منطلقة، نحو التبدل، انطلاقا من "النتعات" المشار اليها والمتراكمة مؤخرا، وهي قد بدأت قبل واقعة تعيين حاكم مصرف لبنان بالطريقة التي تمت بها.
أول غيث التبدلات، والتراجعات الصادمة للراي العام التي ظهرت في الأيام الماضية، اطلت من مُطلق أدبيات وتعابير الالتزام بالقانون والدستور والتطوير والتحديث، وزير الإعلام قائد مجموعة "جوستيسيا " بنظرياته القانونية "المكفشلة" الدكتور بول مرقص، الذي اقترح تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة تلفزيون لبنان من دون التوقف، أمام الآلية الحكومية المقرة، فقام باختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة التلفزيون الرسمي والعام بمهامه ودوره وتمويله، وسرب المقترح إلى وسائل الإعلام لفرضه امرأ واقعا على الراي العام، والقوى السياسية، مبررا تصرفه بان الأمر من صلاحياته أولا، كما ابتدع بدعة فاخرة وطازجة ومستجدة، تقول أن تلفزيون لبنان الذي هو تلفزيون الدولة، هو مؤسسة خاصة لا تخضع للآلية المقرة! (عجيب).
في الواقع، فان تصرف الوزير المعني صادم بكل ما للكلمة من معنى ولأكثر من سبب.
أولا: ليس صحيحا أن تلفزيون لبنان مؤسسة خاصة، فهو شركة تجارية تملك أسهمها الدولة بشكل كامل منذ 1995. ثانيا: ولنفترض أنها شركة خاصة وهذا امر غير صحيح، لم يفصح الوزير المعني عن الأسس التي تم على أساسها اختيار رئيس وأعضاء مجلس الإدارة الجديد، وماهي خبراتهم والكفايات التي يتمتعون بها، وهل هم الأفضل نسبة إلى غيرهم في هذا القطاع، أم انهم هم الأشخاص المفضلون بالنسبة للوزير ومن يرون رؤيته ويلتفون حوله أو يقتربون منه.
كيف يمكن بعد هذه التجارب المرة التي عاشتها البلاد سابقا، في تعيين المحاسيب واستباحة الإدارة، أن يقترح الوزير الأكثر شبابا ولمعانا، تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة مؤسسة تنفق أموال المواطنين اللبنانيين، ومهمتها التنافس مع باقي المؤسسات، من دون معايير متقدمة ومحددة ومختارة للاختيار والانتقاء والتعيين؟
الصدمة الاولى لم تكن من وزير الجوستيسيا الخادعة فقط، بل اتت من وزير الاتصالات شارل الحاج المشترك بملكية وادارة أكثر من 30 شركة اعمال واستثمار في قطاعات متعددة منها الاتصالات وتوزيع وبيع الانترنت، عبر فسخ العقد مع مدير عام اوجيرو عماد كريدية من دون إخبار أحد، وخصوصا مجلس الوزراء، علما ان البلاد مُقدمة على تعيينات جديدة، ومن الطبيعي أن تشمل اوجيرو وكريدية أولهم، لكن حسب الأصول والضرورة.
كان بامكان الوزير النزيه والإشكالي وصاحب الأعمال الواسعة في لبنان، الانتظار والتشاور مع رئيس الحكومة، قطعا للطريق على اقاويل واتهامات الغرضية والانتقام وتضارب المصالح التي قد لا تكون صحيحة.
في بداية عهد الرئيس المفدى، الجنرال ميشال عون، ناسك الرابية الحالي، قام وزير الإعلام المحسوب على القوات اللبنانية يومها ملحم رياشي، باختيار رئيس مجلس الإدارة من ضمن عشرات الأسماء، واقترح على مجلس الوزراء تعيين من فاز نتيجة الاختيار، بعد عملية تدقيق معقدة ومنصفة، أجراها مجلس الخدمة المدنية لاختيار الأنسب. وقد رفض يومها الرئيس القادم من حربي التحرير والإلغاء، وتسونامي استعادة الحقوق المسيحية، الأخذ بهذا الخيار لقناعته، أن من حق رئيس الجمهورية شخصيا تعيين من يريد على راس تلفزيون لبنان، وليس غيره. وقد كانت هذه الخطوة يومها أول طعنة في جسد عهده الميمون والزاهر، كما تبين فيما بعد، وبقي تلفزيون لبنان والإدارة اللبنانية بكل مراكزها الشاغرة والفارغة طوال عهده، نهبا للجهل والفشل والتناتش والتراجع والانهيار المتعاظم.
مع بداية عهده، قرر أميل لحود وصحبه في سوريا الأسد، الانقلاب على رفيق الحريري، فوقع الاختيار على الحص للتحجج بتغطية ما هو منوي ومقرر تنفيذه. فكان قرار النظام الأمني الذي سيطر على طموح وتفكير وتوجه لحود، استخدام وابتلاع الحص والاستحواذ عليه وخداعه بكل الوسائل.
ثمة "نتعات" متفرعة ناشئة ومنتعشة مؤخرا تعزف ألحاناُ قديمة قد تلهي وتوجع الرؤوس، أحدها يقول لرئيس الجمهورية الحق في أن يقترح بمفرده ويعين ويسمي مجموعة من مراكز الفئة الأولى منهم قائد الجيش وصولا إلى حاكم مصرف لبنان وغيره من قائمة طويلة تمتد وتتفرع.
هل نحن في مرحلة إعادة بناء الدولة في لبنان الجمهورية الديمقراطية البرلمانية التي تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الراي والمعتقد وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق. والنظام حسب مقدمة الدستور، قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها. أم على طغيان سلطة على أخرى؟
من إيجابيات ما جرى في إشكالية تعيين حاكم مصرف لبنان انه أعاد أحياء آليات عمل النظام اللبناني الدستوري والتقليدي الداخلي بكل إيجابياته وسلبياته.
مبروك مرة أخرى لرئيس الوزراء الجديد الدكتور نواف سلام، معمودية نار الدستور بدولة لبنان الكبير، وعلى كرسي الرئاسة الثالثة بكل شغفها ومسؤولياتها.