خلال الأسبوع الراهن، وبموازاة السجال الحاصل حول حاكميّة مصرف لبنان، برزت إلى الضوء إشارتان لا يمكن تجاهلهما، بخصوص المعالم الأساسيّة لخطّة التعافي المالي. الأولى، كانت كلام رئيس الحكومة نوّاف سلام عن ثلاثة عناوين أساسيّة يمكن اعتبارها ملامح عامّة لسياسته في هذا الملف: رفع السريّة المصرفيّة، تصنيف الودائع على أساس مشروعيّتها، وتحميل أصحاب المصارف نصيبهم من الخسائر عبر زيادة الرساميل وإعادة الهيكلة. يمكن القول هنا، إنّ سلام دخل –وللمرّة الأولى- في تحديد أولويّات حسّاسة تُعنى بالمشهد المالي في المرحلة المقبلة، وما يرتبط به من استحقاقات داهمة، بالتوازي مع العودة إلى طاولة التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
الإشارة الثانية التي لا تقل أهميّة، والتي ترجمت كلام رئيس الحكومة، كانت اجتماع لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والتي تضم وزراء الاقتصاد والماليّة ومستشاريّ رئيسيّ الجمهوريّة والحكومة، فضلّا عن حاكم المركزي بالإنابة ورئيسة لجنة الرقابة على المصارف ومدير الماليّة العامّة ومستشارين آخرين. واللافت هنا، كان شروع وزير الماليّة بعرض رؤيته للتعديلات على قانون السريّة المصرفيّة، ليتم الاتفاق بعدها على إعداد النص وإرساله إلى مجلس الوزراء للمناقشة. هكذا، لم يعد الكلام عن تعديل القانون مجرّد خيارات نظريّة، بل دخل حيّز التنفيذ بسرعة لافتة مقارنة بوتيرة العمل في فترة حكومة ميقاتي.التعديلات السابقة غير كافيةمن المهم الإشارة إلى أنّ المجلس النيابي كان قد أقر سابقًا، وعلى دفعتين، تعديلات على قانون سريّة المصارف، كجزء من سعيه لتحقيق شروط برنامج صندوق النقد الدولي. في المرّة الأولى، ردّ رئيس الجمهوريّة السابق ميشال عون القانون الذي أقرّه البرلمان، مطالبًا بإدخال تعديلات إضافيّة لتتلاءم مع شروط الصندوق، الذي كان قد عبّر بالفعل عن عدم رضاه على هذه المسودّة في مذكّرة خاصّة. ثم قام المجلس بإقرار نسخة أحدث وأشمل من القانون، من دون أن يعالج كامل النقاط الإشكاليّة التي أشار إليه صندوق النقد الدولي. وعليه، كان على الحكومة اليوم العودة إلى هذا المسار، وإقرار ما تبقى من تعديلات ضروريّة وفق شروط الصندوق، للتمكن من استئناف التفاوض معه.
ما تم إقراره سابقًا، نصّ على منح السلطات الضريبيّة صلاحيّة الاطلاع على الداتا المصرفيّة، لغايات الضبط والرقابة الضريبيّة. غير أنّ نصّ التعديل فرض أن يتم تنظيم هذه العمليّة بمراسيم تطبيقيّة خاصّة، لتحديد آليّة الرقابة وكشف السريّة المصرفيّة، وهو ما لم يتم حتّى اللحظة. ولهذا السبب، لم تستفد السلطات الضريبيّة حتّى اللحظة من مضمون هذا التعديل، لزيادة نسب الضبط الضريبي. كما سمحت التعديلات للسلطات القضائيّة المختصّة بالاطلاع على الداتا المصرفيّة، غير أنّ هذه الصلاحيّة لم يتضح نطاقها حتّى اللحظة، ولا آليّة عملها، وهو ما سمح للمصارف بالتعنّت والامتناع عن تزويد النيابات العامّة بالمعلومات المصرفيّة بشكلٍ مباشر في مراحل سابقة، وخصوصًا في ملف رياض سلامة.
ما لم يتم إقراره في التعديلات السابقة، كان النصوص التي تسمح للجنة الرقابة على المصارف، وغيرها من الهيئات الرقابيّة في مصرف لبنان، بالاطلاع على تفاصيل الداتا المصرفيّة، بما يسمح بفرز الودائع وتتبع عمليّاتها السابقة، ومراقبة التغيّرات في أرصدة هذه الودائع عبر الزمن. وهذه الصلاحيّات، ستحتاجها لجنة الرقابة على المصارف في مرحلة إعادة الهيكلة، أولًا لتدقيق موجودات المصارف وفرز المصارف القابلة للاستمرار، وثانيًا لتحقيق ما تحدّث عنه رئيس الحكومة، بخصوص فرز الودائع على أساس مشروعيّتها. ولهذا السبب، كان تعديل قانون السريّة المصرفيّة الشرط الأبرز الذي حمله صندوق النقد الدولي إلى بيروت في زيارته الأخيرة لتقصّي الحقائق.رفع السريّة المصرفيّة وإعادة الهيكلةفي قانون إعادة الهيكلة الذي يفترض أن يبصر النور لاحقًا، ستمتلك لجنة الرقابة على المصارف دورًا حاسمة في مراقبة عمليّات التدقيق التي ستجري على كل مصرف، لتحديد قدرته على تسديد الحد الأدنى من الودائع بحسب خطّة التعافي المالي. وبعد دخول المصرف مسار إصلاح وضعه، من المفترض أن تراقب اللجنة كذلك مدى إلتزامه بشروط إعادة الرسملة، ومدى قدرة أصحابه على جذب رساميل جديدة لتسديد الفجوة الموجودة في ميزانيّته. وقبل المضي بكل هذا المسار، لا يمكن تحديد شروط الملاءة والسيولة، إلا بعد الوقوف عند حجم كل شريحة من شرائح الودائع، بحسب حجمها، وفي كل مصرف على حدة. كل هذه العمليّات، تحتاج إلى منح لجنة الرقابة على المصارف صلاحيّات خاصّة، تتخطّى حدود السريّة المنصوص عنها في القانون الحالي.
بطبيعة الحال، ما يطلبه صندوق النقد لا يقتصر على منح لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان صلاحيّة تخطّي السريّة المصرفيّة لتنفيذ هذه المسارات، بل يطلب كذلك تبسيط الإجراءات التي تسمح بتخطّي السريّة المصرفيّة، لتلافي تعقيدها وتعطيل مفاعيلها كما جرى مع التعديلات التي أعطت السلطات الضريبيّة والقضائيّة هذه الصلاحيّة. وما يدركه الصندوق جيّدًا، هو أنّ أي ثغرة في هذه التعديلات سيكون من شأنها تعطيل أو عرقلة عمليّة إعادة الهيكلة، خصوصًا إذا ما أفضت هذه الثغرات إلى حجب المعلومات المطلوبة عن مصرف لبنان أو لجنة الرقابة على المصارف. وهذا ما يفسّر شروع لجنة التفاوض مع الصندوق بمناقشة هذه التعديلات، قبل مناقشة قانون إعادة الهيكلة نفسه.