لست أدري إذا ما كان الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان، لدى استحداثه في ستينيات القرن المنصرم عبارة "القرية العالمية" Global Village، قد استلهم ذلك من الفنان الهولندي بيتر بروغل (1525-1569)، بصرف النظر عن السياقات التاريخية التي دعت ماكلوهان إلى نحت هذه العبارة. فمن المعروف أن بروغل من أكثر فناني عصره تطرقاً إلى حياة الإنسان في القرية، وإن كان تعيين حضور الإنسان في هذا الحيّز الضيّق قد اتخذ أبعاداً عالمية من قبل غالبية الذين قرأوا لوحاته. ففي الكتاب الذي وضعه الثنائي Rose-Marie and Rainer Hagen عن بروغل، وبعد رحلة بحث مستفيضة في كل أعماله، ينهيان الكتاب بالقول أن تعريف الإنسان في سائر أعمال بروغل يقع في باب المستحيل خارج اعتبار العالم مأزقاً.
بالتالي، فإن قرية بيتر بروغل كما بثها في مجمل أعماله، تنطوي على راهنية هائلة، أخذاً في الاعتبار أن العالم في كل آن من تاريخه هو مأزق، هو عالم الكارثة. لوحة بروغل هي على الدوم محل إغواء تأويلي خارج كل المعادلات التأويلية التي تقوم على ثنائيات، كثنائية الماضي والحاضر مثلاً، أو ثنائية الذات والموضوع، أو الأنا والآخر... فهذا النص البصري المفعم بكل ضروب الكارثة، قابل للتحيين بما يتجاوز السردية التاريخية لزمنه ولمكانه ولمحض ناسه كما صير إلى صياغة هؤلاء الناس في تلك القرى النائية.
فضلاً عن كون العالم ككارثة يلبّي شرط لوحة بروغل، فإنه يلبّي أيضاً، وإلى حدّ بعيد، شرط انتماء الإنسان بعامة (إنسان كل الأزمنة) إلى هذه اللوحة، وفي البال بشكل خاص لوحَتَا بروغل الشهيرتين The Parable of the blind (1568) و The Triumph of the death (1562). ففي اللوحة الأولى، البشر هم مجرد مجموعة من العميان يقودهم أعمى. أما الثانية، فتصوّر رأفة الموتى بالأحياء من أبناء هذا العالم عبر دعوة هؤلاء الأحياء إلى الخروج من العالم.
من النافل أن كثافة النص البصري الذي يقدّمه بيتر بروغل يودي بهذا النص إلى جملة من التوقعات حيث الدلالة النهائية غير قابلة للإنضباط الكلي في أفق واحد من المعنى، وحيث المصطلح لا يني يداور نفسه مع غيره من المصطلحات بغية الوقوف على ما تريد أن تقوله هذا اللوحة من لوحات بروغل أو تلك. فالكارثة، باعتبارها نهاية مستمرة تحايث نشاط البشر بل ويومياتهم العادية، تمثّل دعوة إلى لا نهائية القراءة والتأويل وغبش الدلالة، وصولاً ربما إلى تناقضات هذه الدلالة بين قارىء وآخر، إذا لم نقل بين القارىء ونفسه. فبروغل، في لوحاته كلها، تراه دوماً يرسم الجسد وفقاً لمعيار الكارثة، ولعل الوجه الشهير لتلك الفلاحة في لوحة Head of a Peasant woman (1564) أبرز مثال لتجاوز النظرة لزمانها حيث العين التي تحدّق في لحظات العالم باعتبار هذا العالم فجيعة وكارثة. فالتزامن الأبدي بين العالم والكارثة، بين العالم وشروط هلاكه، هو جوهر لوحة بروغل.
يتكلّم القديس أوغسطينوس عن الكلمات، عن نمط معيّن من الكلمات، يملك تلك القدرة على مخاطبة البصر وسائر الحواس البشرية. ربما تكون وجوه ناس بروغل، كما صاغها في نصّه البصري، وتحديقات عيونهم ثم زحمة أجسادهم ولا يقينية هذه الأجساد، أنماطاً بارزة من تلك الكلمات التي تكلم عنها أوغسطينوس. فإذا كان النص المكتوب يختزن الدلالة بدءاً من تاريخ كلماته (كما يخبرنا أهل التأويل وخبراؤه)، فإن التاريخ يقف مترهلاً أمام النص البصري حيث الخيال الذي لا يستكين هو سيّد المشهد والدلالة. لقد سبق بروغل، ماكلوهان، بقرون عديدة، فبثّ – انطلاقاً من رؤيته للعالم كمأزق – حقيقة القرية العالمية أو، وبتعبير عولمي معاصر جداً، بثّ نموذج العالم الواحد One world Paradigm حيث سطوة العالم كمأزق هي عنوان هذا العالم وسائر تعييناته. فنحن مع بيتر بروغل إزاء اللوحة التي تستحثّ الصوت، صوت الفرار وصوت الركون إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وصولاً ربما – وبجرأة في التأويل لا بدّ منها – إلى صوت النهايات... نهايات التاريخ، ولا أظنّ أنني سأكون في هذا السياق محلّ مؤاخذة من قِبل فرانسيس فوكوياما. فبروغل، فضلاً عن تصوير ناس عصره، أجاد إلى حدّ النبوءة اقتراض صورة إنسان المستقبل، صورة الإنسان الأخير الذي كلمنا عنه فوكوياما.
في تصويره للكائنات البشرية، لا يتوانى ألبير كامو عن استعارة فان غوخ الذي قال أنه لا ينبغي مؤاخذة الربّ حيال وضع الكائنات البشرية في هذا العالم، معتبراً أن العالم ليس إلا مسودّة فاشلة من مسودّات الله الكثيرة، وليس علينا إلا انتظار النسخة الأصلية. أما بروغل، وقبل فان غوخ بقرون، أيقن أن الله ترهل ولا جدوى بالتالي من انتظار نسخه الأخرى، ولا بأس في هذا الصدد من الإشارة إلى لوحة Dulle Griet (1562) حيث تفاصيل الوجوه والأجساد وتلك الكائنات الغريبة، وأيضاً تلك العتمة المتلصصة، تشير إلى إنسان العالم بعامة، إنسان الأزمنة كلها... وأكثر ما يشي به هذا العمل هو أن زمن الطمأنينة في عالم البشر إنما هو على الدوم زمن زائف Pseudo-Time من السذاجة انتظاره.
على الرغم من تلك دعوة بروغل المباشرة لمتلقّيه أن يقرأ نصّه البصري، فإن الشيفرات التي تحكم هذا النص تبقى بمعزل عن كلّ دعوة. سرد تاريخ الكارثة، فضلاً عن تاريخ مستقبلها كما أنبأنا به هذا الفنان الهائل، غالباً ما يتحدى شرط إيفاء المعنى بتمامه. ربما يعود الأمر إلى أن لوحة بروغل في متنها الأعم، هي لوحة تشدّ متلقيها لرصد هذا الضروري غير المحتمل، أي الموت. لست أدري، وبروغل أيضاً لا يدري كما أعتقد. فأن تكون اللوحة بمجملها بمثابة مناظرة دائمة مع الهلاك ومع الموت، فإن إمكان تعيينها فلسفياً يبقى خياراً شخصياً بمعزل عن موقف واضعها.
في حوار غير مباشر بين أمبرتو إيكو وبول ريكور، رأى الأول أن الأعمال الفنية الكبرى هي بمثابة آلات رصد لتاريخ العالم وما يحايث هذا التاريخ من أسرار وبيان، ومن واضح ومستتر، ومن مسكوت عنه ومتفجّر إلى حدود الهذيان. أما الثاني، أي ريكور، فرأى في هذه الأعمال وسائل تعقّب لمستقبل العالم وسردية خاصة تتوخى إلقاء القبض على التالي من مضامين هذا العالم، وما يحايث هذه المضامين من خيبات وآمال، من حروب وسلام، من سكينة وفوضى جامحة. لا أعلم أياً من الرجلين كان محقاً في طرحه، إذ جلّ ما يعنيني في هذا الصدد هو تلك المتعة المتأتية عن قول كل منهما، إلى حين وصول النهاية، تلك النهاية التي برع بيتر بروغل في تشريحها بالخط واللون وقد جمع وجهتَي نظر كل من ريكور وإيكو. إن امتلاك مشهد الماضي يحتضن بشدة مشهد الحاضر في أعمال بروغل كلها، وليس عالم اليوم الذي نعيش مخاضه المؤرق سوى لحظة من لحظات قرية بروغل مترامية الأطراف والأزمنة.