بينما يدخل استئناف الحرب على غزة يومه الثامن، يتخذ التوغل البري الإسرائيلي حتى اللحظة أسلوب "الجيوب"، بموازاة تحشيد عسكري على حدود القطاع، ما يطرح تساؤلات بشأن سيناريوهات العملية البرية ومدتها في ظل الحرب المتجددة على القطاع.ويُلاحظ أن هذه الجيوب تشهد ركوداً نسبياً ومثيراً للاستغراب، وخاصة ما يتعلق بتموضع قوات الاحتلال المتوغلة عند شارع صلاح الدين وسط القطاع منذ أيام، وعدم تقدمها غرباً، وإبقائها شارع البحر مفتوحاً، بالرغم من "قدرتها" عملياتياً على التوغل أكثر وإحكام السيطرة على محور نتساريم!4 جيوب للتوغلوأكدت مصادر "المدن" في قطاع غزة أن قوات الاحتلال إلى جانب وجودها أصلاً على طول محور فيلادلفيا قبل استئناف الحرب، فإنها عملت على التوغل في 4 جيوب، التوغ الأول عند حي تل السلطان غرب رفح الذي طوقته أخيراً من جميع الجهات، والتوغل الثاني عند محور نتساريم الذي أعادت القوات الإسرائيلية السيطرة على جزء منه بعد تقدمها خلال الأيام الماضية من السياج الشرقي وصولاً إلى شارع صلاح الدين، مع إبقائها شارع البحر مفتوحاً. ويقع جيب التوغل الثالث في شمال بيت حانون وشمال غربها، إضافة إلى جيب رابع في بيت لاهيا بمسافة توغل تتراوح بين 1000 و2000 متر.وما هو القادم؟يرى مصدر من حركة "حماس" في حديث لـ"المدن"، أن التوغل له عدة أهداف، أبرزها الضغط التفاوضي، وأيضاً مخططات بعيدة المدى، حيث أن كل ما يفعله الجيش من إجراءات تفصيلية بغزة تخدم الرؤية والاستراتيجية العامة للاحتلال، أي أن التوغل بهذا الشكل بالترافق مع ضربات جوية تستهدف اغتيال قيادات سياسية وعسكرية بالحركة، وتدمير أكثر من 100 سيّارة يُزعَم تبعيتها لكتائب "القسام"، كلها بمثابة خطوات إسرائيلية متدحرجة، تندرج في سياق الجاهزية لأي قرارات جديدة من المستوى السياسي الإسرائيلي. وتابع: "الآن تقف الدبابات في نقاط تمكنها من التقدم سريعاً إلى عمق القطاع في أي لحظة تتلقى فيه أمراً بإعادة احتلاله".وبالرغم من أن تفاصيل المشهد الميداني تبدو متفرقة، إلا أنها تتصل في جوهرها بخطة رئيس الأركان الجديد لجيش الاحتلال إيال زامير.هدف استخباراتي أيضاًولا يُستبعد أيضاً هدف آخر لجيوب التوغل الحالية، وهو استخباراتي، إذ أن هناك دبابات إسرائيلية مزودة بأجهزة تتبع استخباراتية، وتقف في أماكن تسهل مهمتها الرامية إلى رصد معلومات عن أهداف لـ"القسام" و"سرايا القدس" وقادتهما، وأيضاً أماكن وجود المحتجزين الإسرائيليين.. وهي غاية ألمح إليها المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي، ضمناً، حينما نوه بأن الأمر فيه مخاطرة على حياة المحتجزين في غزة.وبالنظر إلى معايير اختيار الاحتلال لجيوب التوغل، فإنه يُلاحَظ أن قواته تتواجد حاليا في مناطق ذات تأمين عالٍ لها، بحكم عدم وجود احتكاك مباشر مع المقاومة فيها، كما أنها تضمن بذلك حركة نزوح كبيرة لسكان القطاع، باعتبارها تمثل "الضغط الشعبي الأكبر"، أي أن الاحتلال يلعب بأوراق ضغطه المتدرّج.السيناريوهات المحتملة؟وتوقعت مصادر ميدانية بغزة لـ"المدن" أن يعمق الاحتلال التوغلات بمناطق جديدة في القطاع، وأن يزيد جيوب التوغل شرق غزة والمنطقة الوسطى، في سياق توسيع السيطرة التدريجية.لكن ما زاد التساؤلات بشأن وجهة عملية الاحتلال العسكرية عموماً، وتحديداً التوغل البري، هو أن خطة رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد إيال زامير التي استعرضها أمام المستوى السياسي قبل نحو أسبوعين، تتضمن سيناريوهات ومراحل متعددة، مرتكزة على عنصر الغموض والمفاجأة؛ لضمان "النجاح"، وبما يستخلص العبر مما تسميها إسرائيل "المناورة البرية" التي نُفذت بالقطاع سابقاً في خضم الحرب.وبينما تتبع خطة زامير في هذه المرحلة ضربات جوية مركزة لاغتيال قيادات "حماس" السياسية والعسكرية، مع توغلات برية في عدة جيوب، فإن جيش الاحتلال وجّه الفرقة 36 التي أدت مهامها في لبنان، إلى حدود قطاع غزة. وقالت هيئة البث العبرية إن هناك استعدادات متواصلة لتوسيع العملية العسكرية، مشيرة إلى اعتقاد لدى قيادة الجيش بأن القضاء على "حماس" يتطلب استعادة السيطرة على كامل القطاع.اجتياح للمنطقة الوسطى؟كما يبرز سيناريو آخر بقوة، وهو أن ينفذ الاحتلال عملية برية كبيرة في وسط القطاع الذي لم يشهدها حتى الآن، خلافاً لما جرى في شمال القطاع وخانيونس ورفح. ويعتقد الاحتلال أن "الشل الكامل" لقدرات حماس، يتطلب توغلاً واسعاً بالمنطقة الوسطى التي يدعي أنها تحتضن بنى تحتية لـ"القسام".في حين، أوضحت وسائل إعلام عبرية أن الجيش يتحضر أيضاً لسيناريو فرض حكم عسكري على القطاع والسيطرة على المساعدات، لكن المراسل العسكري لـ"مكان" أوضح أن "اللغز الأكبر" بخصوص وجهة التوغل البري، يرتبط بموقف البيت الأبيض، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب.بالعموم، تُجمع قراءات عبرية على أن إسرائيل تتعامل مع الحرب المتجددة كفرصة قد لا تتكرر، ما يستدعي استغلالها ل"تصفية الحساب" وضرب أهداف رصدتها استخباراتها خلال فترة وقف إطلاق النار الماضية، قبل أي عودة محتملة للاتفاق من جديد. وبهذا تقدّر تلك القراءات بأننا أمام سيناريو التصعيد المتدحرج قبل عودة التهدئة، أو الوصول لذروة الحرب، بما يشمل توغلاً برياً واسعاً، في حال عدم الاتفاق.سيناريو "جولات القتال"ثمة سيناريو آخر، وهو أن الاحتلال بات يبتع نهجاً عسكرياً جديداً مع القطاع، عنوانه "جولات قتالية"، بحيث ينفذ مهمات برية وجوية مُركّزة بين الفينة والأخرى، استناداً إلى معلومات استخباراتية "دقيقة"، قبل عودة التهدئة، مع إمكانية إنهاء الاتفاق مرة أخرى لأي حجة كانت؛ لغاية توجيه موجة أخرى من الضربات لأهداف مستجدّة ل"حماس"، بناء على تحديث مخزونه الاستخباراتي.. وهي وسيلة يُراد بها إسرائيلياً أن تشكل استنزافاً أكبر للحركة حتى "إجبارها" على قبول شروط تل أبيب، ومن بينها تفكيك جهازها العسكري وخروج قياداتها من القطاع.