كشف تلويح روابط المعلمين بالإضراب، جراء التأخر في دفع بدلات الإنتاجية بالدولار، تركيبة الإدارة المزدوجة التي قامت عليها وزارة التربية في إنفاق المال العام. فقد تبين أن هناك إدارة من خارج إدارة الدولة، وغير خاضعة للرقابة، تقوم بصرف المال العام، وفي مخالفة صارخة حتى لمرسوم سلفة الخزينة لدفع الحوافز أو بدلات الإنتاجية لأفراد الهيئة التعليمية.
إدارة موازية لتهميش الإدارة الرسميةيوم أمس الخميس، صدر بيان عن روابط المعلمين لوحوا فيه بالإضراب في حال لم تدفع وزارة التربية بدلات الإنتاجية. وقد سبق وعقدت الروابط لقاء مع كرامي، يوم الاثنين الفائت، وكان يفترض إيجاد حل لموضوع تأخير دفع بدلات الإنتاجية فوراً. تأخر الدفع لأسباب عدة متعلقة بإجراءات إدارية في وزارتي المالية والتربية. لكن تلويح الروابط بالإضراب أدى إلى بدء تلقي الأساتذة إشعارات القبض مساء أمس من شركة تحويل الأموال OMT. وانتهت القضية بأن استقبلت روابط المعلمين الوزيرة كرامي بعرض للقوة والقدرة على تحريك الشارع لتحصيل المطالب. لكن كشفت القضية في المقابل كيف يسيّر مدير عام التربية بالإنابة عماد الأشقر (عاد إلى مصلحة التعليم الخاص، وسيعود ويتسلم فادي يرق المديرية بعد صدور مرسوم عن مجلس الوزراء) الوزارة بإدارة موازية لإدارة الدولة وخارج الأصول القانونية.وفي التفاصيل، شرحت مصادر مطلعة لـ"المدن" كيف تصرف بدلات الإنتاجية من خارج دائرة المحاسبة في الوزارة التي يرأسها وسام المعلم. فقد عمل الأشقر على تشكيل إدارة موازية لإدارة الدولة لسحب هذا الملف من دائرة المحاسبة إلى مكتبه. وعوضاً عن اشراك دائرة المحاسبة في ملف الحوافز ولو شكلياً، أقله كي تراقب التنفيذ، ما قام به الأشقر كان تهميش المحاسبة. والقبض على ملف الحوافز من خلال فريق عمل خاص قوامه عدد من المتعاقدين على حساب مشاريع الدول المناحة.إدارة موازية في مكتب الأشقرمنذ نحو سنتين، تدفع الدولة اللبنانية حوافز للمعلمين ( كان تدفع هذه الحوافز سابقاً من اليونيسف والبنك الدولي) ما يوجب إخضاع الملف لدائرة المحاسبة كلياً، بموجب المرسوم. والتذرع بعدم القدرة مردود في الأساس. فهذه الدائرة تحتسب عدد ساعات الأساتذة المتعاقدين مع الوزارة وتحولها إلى وزارة المالية. ما يعني أنه ينقصها فقط احتساب الحوافز لا غير. وصحيح أن ملف المتعاقدين متضخم ومتعدد (على حاسب صناديق المدارس والمستعان بهم..) لكن الأمر كان يستوجب دعم دائرة المحاسبة بموظفين، ويصبح موضوع صرف المال بعهدتها. لكن جرى التذرع بعدم قدرة هذه الدائرة على إدارة هذا الملف الضخم وأبقي بعهدة الأشقر.في إدارة الأشقر للملف، ومن خلال إدارة موازية من موظفين متعاقدين على حساب الدول المانحة، يرسل مسؤول المشتريات بلال ناصر جداول الحوافز إلى مستشارة الأشقر جورجيا الهاشم، التي تستعين بالمتعاقدين طارق تيماني وروبير أبي رعد (أسس لهما الأشقر وحدة خاصة تحت مسمى التنمية والتطوير). دور ناصر هامشي ويكتفي بالتوقيع على الجداول، بسبب مشاكل كثيرة حول كيفية إدارة هذا الملف وغيره من المشاريع. فضل الصمت تجنباُ للدخول في مشاكل مع الأشقر ما يعرضه لخسارة عقد عمله.أما دور الهاشم فأساسي. فهي ترسل الجدول للأشقر بعد مراجعتها، ليرسلها الأخير إلى وزير التربية. وبعد موافقة الوزير ترسل الجداول إلى الهاشم مجدداً، وتقوم بصرف الأموال من خلال شركة تحويل الأموال. ما يعني أنها بمثابة محتسب مالي. أما دور تيماني وأبي رعد فهو معاونة الهاشم وتلقي المراجعات والشكاوى من المدارس والمدراء لإعادة النظر بصرف الأموال. لكن المشترك في هذه الإدارة الموازية أنه لا يوجد أي دور لدائرة المحاسبة ولا حتى رقابي. الانفاق من خارج نص المرسومكانت مقاصد برامج الأمم المتحدة أو المانحين دعم وتمكين إدارات الدولة من خلال التعاقد مع خبراء من خارج ملاكات الدولة. بمعنى أوضح نقل الخبرات إلى الإدارة. وصحيح أن الدول المانحة من خلال تمويل المشاريع تفرض شروطها، لكن المقصد من الشروط دعم الإدارة وتمكينها للقيام بالمهام. ما حصل أن المدراء العامين همشوا الإدارة طمعاً في الاستمرار بالتعاقد مع المحظيين. وبات هذا أحد أهم أبواب الزبائنية. فراتب الموظف العمومي لا يساوي شيئاً أمام راتب المتعاقد على حساب مشاريع الدول المانحة. وهذا ما حصل في وزارة التربية.
بمعنى واضح وصارخ، عوضاً عن تمكين الإدارة (في حال الحوافز) جرى تهميش الأخيرة وعدم تمكينها لإدارة ملف الحوافز. وتكرست إدارة موازية تنفق المال العام على اعتبار أنه لا يمكن محاسبتها أو ملاحقتها من الأجهزة الرقابية، كالتفتيش المركزي.وكانت النتيجة أن ملايين الدولارات من أموال سلفة الخزينة (آخر سنتين فقط) صرفت من لجنة (أو لجان) من خارج الأصول القانونية. ولم يراع حتى الشكل في ضرورة اخضاع هذا الصرف لرقابة شكلية من دائرة المحاسبة. هذا رغم أن نص مرسوم السلفة التي حصلت عليها الوزارة بقيمة 150 مليون دولار لتسديد الحوافز واضح للعيان ولا لبس فيه. فالغاية من السلفة متابعة تنفيذ الخطة التي عرضها الوزير السابق عباس الحلبي في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 17/8/2023 لدفع حوافز مالية لأفراد الهيئة التعليمية. ونص المرسوم في المادة الرابعة على عملية مراقبة تنفيذ السلفة من الجهات المالية والادارية المحددة، ودائرة المحاسبة كجهاز مالي معنية بالمراقبة وبآلية التسديد وفقا للأصول الى جانب مراقب عقد النفقات الذي يشرف على آلية وقانونية الانفاق.شكوك حول الإدارة الموازيةيثير تهميش دائرة المحاسبة الشكوك حول كيفية إنفاق هذه الأموال، وإذا كان هناك من فساد مالي أو مجرد الحفاظ على عقود بعض المنتفعين، أي تبرير استمرار التعاقد معهم. فهل تفتح الوزيرة كرامي تحقيقاً بهذا الملف خصوصاً وأن شكاوى الأساتذة من الحوافز كثيرة ومتعددة ( تلقى مبالغ أقل من المخصص لهم أو اجراء حسومات لا يعرفون سببها...). وهل تطلب كرامي من التفتيش المالي مراجعة هذا الملف لمعرفة كيفية صرف الأموال؟ وفق مراجع قانونية، على التفتيش التحقيق مع المسؤولين عن الملف حتى لو أنهم ليسوا موظفين بالقطاع العام. وعلى وجه الخصوص، دور مستشارة الأشقر الهاشم أساسي في عملية انفاق الأموال. وهي بمثابة "محتسب مالي واقعي" وعلى التفتيش التحقيق معها، حتى لو لم تكن في عداد موظفي القطاع العام. إصلاح الإدارة وكشف المستور يستوجب مسارعة كرامي لوضع حد لهذه التجاوزات، ومعرفة لماذا لم تُمنح دائرة المحاسبة الدور وفقا للمرسوم، لجهة الرقابة على تسديد السلفة واجراءات انفاقها؟ والتحقق من كيفية انفاق الحوافز وإذا ما كانت تصل فقط إلى المستحقين فعلاً.