حزب العمال الكردستاني عند مفترق طرق، وربما إحداها هي الفصل الأخير في تاريخه مع مؤسسه عبد الله أوجلان، الزعيم الانفصالي السجين في تركيا منذ ربع قرن. فقد دعا أوجلان تنظيمه بعد عقود من العمل المسلح لإلقاء سلاحه نهائياً وحلّ نفسه. وبالرغم من حمولة هذه الدعوة إلا أنها في الواقع جاءت في توقيت ليس استثنائيًا، ولكنه مهم، وربما تشكل منعطفاً فاصلاً وحاسماً في نهج التعاطي مع المسألة الكردية، بالإضافة لترتيبات مختلفة في صفوف حركاتها.
وبقدر ما تحمله الدعوة من أهمية لدى القواعد الشعبية المؤيدة لحزب العمال، نظراً لرمزية عبد الله أوجلان ودوره في نضال الحركة، إلا أن تأثيرها داخل صفوف التنظيم قد يكون محدوداً، بفعل تعقيدات بنيته الداخلية والمعطيات الإقليمية الراهنة. كما أن توقيتها يتزامن مع توتر غير مسبوق بين أنقرة وحزب العمال، تراكم فيها الكثير من العمليات القتالية، لتصل إلى أسوأ مراحل العلاقة بين الطرفين. ما يثير تساؤلات جدية حول مدى فعالية الدعوة في إحداث تغيير حقيقي على الأرض.سبق لأوجلان أن دعا إلى الهدنة مرتين، الأولى في عام 2006، والثانية في عام 2013، حين طالب في كلتيهما بوقف العمل المسلح وفتح قنوات للحوار مع الحكومة التركية. ورغم أن تلك المبادرات كانت تملك مقومات الانفراج، فإنها فشلت بسبب بروز لحظات مفصلية كردية، أعادت الطموح الكردي، أبرزها صعود وحدات حماية الشعب في سوريا، ما دفع التنظيم لاستئناف القتال، وما زاد بتكريس قناعات صعوبة المسار السلمي.
وبمقتضى الحال، كانت الأحزاب الكردية اليوم على علم مسبق بمضامين الخطاب، حيث بدأت دلالات الرفض من قبل التنظيم بعد الإعلان عن المبادرة مباشرة في أكتوبر الماضي من قبل دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، حينما شهدت العاصمة التركية أنقرة هجوماً إرهابياً استهدف مقر شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (توساش)، والتي أعلن حزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن هذا الهجوم، مما أعطى رسائل واضحة عن إحجام الأجنحة الانفصالية عن هذه المبادرة ومحاولة إجهاضها في مهدها. ومعطوف عليه أنه خلال الشهور الأربعة الماضية التي شهدت تحولات مفصلية في المشهد الإقليمي أبرزها هزيمة نظام الأسد وإيران في سوريا، ووصول المعارضة السورية للحكم، لم تبد هذه الأحزاب أي مؤشرات أو نوايا فعلية على الأرض تعكس استعدادها للتكيف مع مرحلة جديدة بمسار سلمي، مما يعزز الشكوك حول مدى جدّية المبادرة وإمكانية ترجمتها لتحول تاريخي.وفي سطور رسالة أوجلان، فإنها حملت مراجعات فكرية هائلة وعميقة لنهج الحزب، جاءت نتيجة سنوات طويلة من السجن، أعادت تشكيل وعي أوجلان السياسي وإدراكه لحجم التكلفة الباهظة للطموح الكردي المسلح. أحد أهداف هذه الدعوة هو الإقرار بانتفاء مقومات استمرار التنظيم بسبب التحولات الجذرية الداخلية والإقليمية. لكن بالحقيقة لم يعد لـPKK وجود فعلي، سواء على المستوى الشعبي أو العسكري في تركيا. لذلك فإن الرسالة الحقيقية في البيان كانت تستهدف قادة قنديل، ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا على وجه الخصوص.
لذلك سارع مظلوم عبدي، قائد ما يُعرف بقوات سوريا الديمقراطية قسد، إلى محاولة فصل المسارات عبر التأكيد على أن دعوة أوجلان تخص حزب العمال الكردستاني في تركيا فقط، وليست مرتبطة بقواته في سوريا. ولكن بالواقع فإن ارتدادات هذه الدعوة لا يمكن احتواؤها بمجرد النأي بالنفس. إذ توفر دعوة أوجلان هامشاً أوسع للحكومة التركية، وكذلك للإدارة السورية في المفاوضات الراهنة مع قسد، التي وجدت نفسها تلقائياً في موقف أضعف بفعل تصريحات أوجلان، مما يضيق مساحة المناورة أمامها.هذا لا يعني أن قسد ستتخلى عن سلاحها، لكنها ستراهن على عامل الوقت، على أمل أن تطرأ تغييرات إقليمية أو تفاهمات دولية قد تصب في مصلحتها، مما يمنحها فرصة أكبر لفرض نفسها كطرف سياسي وعسكري فاعل مستقل. غير أن هذا الرهان، في الوقت ذاته، يشكل عاملاً سلبياً ضدها. فكلما طال الوقت، تكتسب الإدارة السورية زخماً داخلياً ودعماً خارجياً، بينما تفقد قسد تدريجياً مشروعيتها. إلى جانب ذلك، أن الدعم الأميركي غير مضمون، نظراً لعدم شهية إدارة ترامب للانخراط والبقاء في سوريا من خلال التحالف مع قسد، بمقابل مصالح أكبر تربطها بتركيا، التي تمثل شريكًا استراتيجيًا أكبر، فضلاً عن إمكانية القضاء على خلايا داعش المتبقية من دون الحاجة إلى قسد.
وأمام هذا الواقع الجديد، ستتربص الأحزاب الكردية بكلمة مفتاحية بأن خريطة الطريق غير واضحة، حول كيفية حل الحزب نفسه والمضي قدمًا في حوار مع الحكومة التركية في الوقت نفسه، وما إذا كان تسليم السلاح شرطاً مسبقاً للمفاوضات أم نتيجة لها. وهذا ما تجلى في أول تصريح لصالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، بتأكيده أنهم مستعدون لترك العمل المسلح إذا سُمح لهم بالعمل السياسي. ما يعني فعليا إلقاء الكرة في ملعب أنقرة وجعلها الطرف الذي يتحمل مسؤولية الخطوة التالية.تواجه دعوة عبد الله أوجلان عدة معضلات تتعلق بآليات تنفيذها وضماناتها. فحزب العمال الكردستاني يعاني من انقسامات داخل أجنحته. كما ترى بعض الفصائل الانفصالية في الظروف الإقليمية الحالية فرصة لتحقيق تطلعاتها الانفصالية بدعم إسرائيلي، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي في سوريا. بالإضافة إلى أن طول سنوات الصراع أفرزت قيادات راديكالية جديدة داخل التنظيم، مثل مراد قره يلان وجميل بايك، الذين لهم حساباتهم الخاصة، ما يجعل احتمال جنوحهم للسلام ضئيلاً، إلى جانب ما قد تواجهه الدعوة من معارضة في بعض الأوساط التركية لأي تفاوض مع قواعد التنظيم.
وكذلك الواقع الجيوسياسي، لا يمكن التغافل عن أن مصالح هذه الفصائل تتداخل مع مصالح أطراف إقليمية أخرى، مثل إيران وإسرائيل، من خلال الدعم، فلا تدع مجالاً لقادة التنظيم في جبال قنديل باتخاذ قرار مستقل. فإيران وإسرائيل توظفان استمرار حالة الصراع للضغط على أنقرة ودمشق لابتزازهما في تسويات مقابلة. وإيران، تملك تاريخًا طويلًا من التدخل في الشأن الكردي، وما قدمته من دعم لتنظيم الـ"بي. كي. كي" قد يتجاوز الدعم الأميركي المقدم لقسد، لاسيما من خلال رعاية الميليشيات التابعة لإيران، ليتمتع التنظيم بمستقر شبه آمن في سنجار بشمال العراق، منطلق عملياته ضد تركيا، رغم الرفض المعلن لوجوده من جانب الحكومة العراقية.أما إسرائيل، فتهدف من تدخلها في الأحزاب الكردية لدفع أنقرة إلى الحياد في القضية الفلسطينية وتقديم تنازلات سياسية في ملفات أخرى، سعياً لتحسين العلاقات الثنائية الإسرائيلية-التركية. ويتضح هذا التوجه من خلال التصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو، حين طرح الأخير فكرة ربط قطاع غزة بتركيا كمنطقة ذات حكم ذاتي، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لمعادلات السيطرة في المنطقة.
في كل الأحوال، حتى في ضوء هذه التعقيدات وحضور الحل العسكري بين الخيارات، فلا تزال هناك فرصة حقيقية للحل السلمي، قد تدفع لإنهاء الإشكالية الكردية التي طالما شكلت عامل اضطراب في الإقليم، وأثرت على علاقاته لعقود. ومآلات التعاطي مع دعوة أوجلان ستكشف جزءاً مهماً من ملامح السياسة الأميركية في المنطقة، وإن لم تكن مرتبطة بها بشكل مباشر. فبالنسبة للأكراد، تحقق لهم هذه الدعوة الحفاظ على هويتهم وحقوقهم وضمان اندماجهم من خلال حقوق المواطنة، من دون دفع المزيد في فاتورة الدم، وكذلك لتركيا، بما يتماشى مع ترتيباتها الأمنية، إضافة إلى تحقيق توافق داخلي يُساعد حزب العدالة والتنمية في تمرير تعديل دستوري جوهري.
سورياً، حيث تتجذر المعضلة ويتحدد مسار الحل، فإن الدعوة تتيح أيضًا فرصة استراتيجية للإدارة السورية لحسم ملف الفيدراليات، وإغلاق الباب أمام الطروحات الانفصالية. إذ إن التوصل إلى حسم في الشمال سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء الإشكالات العالقة في الجنوب.