يلتقي واقع تلوّث المياه الواصلة إلى اللبنانيين، بما فيها بعض مصادر مياه الشرب، مع واقع تراجع معدّلات المتساقطات. وأظهرت الطبيعة وجهاً من وجوه تراجع المتساقطات، عبر تأخُّر موسم الأمطار حتى شهر كانون الثاني الماضي. أمّا العواصف التي وصلت إلى لبنان، ومنها العاصفة المسمّاة "آدم" والتي تنحسر راهناً، فلم تشفع في تغيير واقع شحّ المتساقطات. ولأنّ لبنان يعيش أزمات متتالية منذ العام 2019، يُضاف ملفّ المياه إلى جملة الأزمات المستمرّة، خصوصاً وأنّ المدير العام لمؤسّسة مياه بيروت وجبل لبنان، جان جبران، حذّرَ مطلع العام الجاري من "دخول لبنان مرحلة الشّحّ في المياه، وبدء المؤسّسة باعتماد سياسة التّقنين القاسي"، وذلك بعد "انخفاض معدّل المتساقطات إلى ما نسبته 70 بالمئة مقارنةً بالعام الماضي".
لكن في المقابل، هناك آراء أخرى تقلِّل من حدّة الوضع، استناداً إلى دراسات علمية حول المياه الجوفية، وتنطلق التطمينات من أنَّ ما يصلنا، هو مياه قديمة.
مشاريع لحلّ أزمة المياهكثيرة هي المشاريع المرتبطة بحلّ أزمة المياه. يرتكز بعضها على معالجة المياه الملوّثة في الأنهار والبحيرات، وبعضها على معالجة مياه الصرف الصحّي كي لا تلوِّث بدورها مياه الأنهار. ومشاريع أخرى ترتكز على بناء السدود، والبعض الآخر على صيانة وتأهيل البنى التحتية لقطاع المياه، من شبكات جرّ وغيرها... ولعقود، لا تزال مشكلة المياه تتفاقم، ولا يصل إلى اللبنانيين سوى المياه الملوّثة التي يستعيضون عنها بشراء المياه من مصادر خاصة، وبثمن مرتفع.وفي ظلّ عدم حلّ هذه الأزمة، أكّد جبران أنّ "مسؤوليّة مجلس الوزراء مجتمعاً، تأمين مصادر بديلة ووضع خطط ناجزة لإنقاذ وترشيد الثّروة المائيّة وإبعاد البلاد عن شبح الوقوع في مأزق حادّ في مطلع فصل الصيف المقبل".وفي الواقع، إنّ الربط بين شحّ المتساقطات وتلوّث المياه والخلل في البنية التحتية، هو ربط غير كافٍ لمقاربة ملف المياه وكيفية تأمينها للمواطنين. والمعضلة الأكبر، هي ربط تراجع المتساقطات في سنة معيّنة، بشحّ المياه، واستغلال ذلك لتسريع تنفيذ مشاريع لا تدور حولها علامات الاستفهام.
الينابيع ليست مزاريبصحيح أنّ شحّ المتساقطات يؤثّر على تأمين مصادر مياه سطحية يعتمد عليها بعض اللبنانيين بشكل مباشر، وخصوصاً أهل القطاع الزراعي. إلاّ أنّ ذلك ليس نهاية القضية، فحلّ مشكلة القطاع الزراعي ممكن عبر الاستغلال الصحيح لمصادر المياه الجوفية، وتأهيل البنى التحتية للقطاع، وعلاجات أخرى كالبرك الاصطناعية وغيرها. وفي جميع الأحوال، لا تحمل معدّلات المتساقطات وزر القضية، لأنّ الشحّ أمرٌ متوَقَّع في الطبيعة. كما أنَّ متساقطات العام الحالي لا تُستَعمَل في العام نفسه، وهنا جوهر القضية.وبعيداً من اختلاف معدّلات الأمطار السنوية، فإن اللبنانيين لا يستعملون أو يشربون مياه الأمطار المباشِرة. كما أنّ الارتكاز على غزارة الأنهار والسواقي في سنة معيّنة، ليس دليلاً كافياً على حجم المياه التي يملكها لبنان فعلياً. ووفق ما يشير إليه الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي، فإن نقطة الارتكاز في ملف المياه تبدأ من التخزين الجوفي. ويقول في حديث لـ"المدن" إنّ التخزين الجوفي في لبنان "هو ثلثيّ الثروة المائية، وهذا استناداً إلى دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP للعام 1970". وانطلاقاً من التخزين الجوفي للمياه، فإنّ "الينابيع هي مخارج التخزين الجوفي الذي لا يُستَعمَل مباشرة بعد تساقط الأمطار، لأنّ الينابيع ليست مزاريب تنقل مياه الأمطار مباشرة من الأرض إلى الخارج. ونبع جعيتا على سبيل المثال، لا يعطي بيروت مياه الأمطار مباشرة".فَهم آلية عمل التخزين الجوفي، يفضي إلى أنّ "المياه التي يشربها أهل بيروت من نبع جعيتا، ليست هي المياه التي سقطت هذا العام". ويلفت زعاطيطي النظر إلى أنّ الأبحاث العلمية قادرة على تحديد عمر المياه التي تخرج من جوف الأرض إلى سطحها. ويمكن أخذ عيّنة من المياه، وتحليل الأثقال الذرية للهيدروجين والأوكسيجين، ومعرفة عمر هذه المياه". وعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي إحدى الدراسات حول مياه برك رأس العين قرب مدينة صور، وعند تحليلها "تبيَّنَ أن تلك المياه عمرها 5 سنوات. أيّ أنّ ما يخرج من البرك حينها، ليست مياه الأمطار مباشرة". ولهذا، يُذكِّر زعاطيط بكلام إبراهيم عبد العال، مهندس مشروع الليطاني، الذي قال إنّ "جبالنا هي مخازن حقيقية للمياه".وللتقليل من تأثير حجم المتساقطات على توفير المياه، يشير زعاطيطي إلى "الاختلاف بين حجم متساقطات الأمطار ومتساقطات الثلوج. فقد تكون متساقطات الثلوج كبيرة، وهي التي تساعد على تأمين المياه الجوفية، لأن الثلوج لا تتبخَّر، بل تمتصّ التربة والصخور مياهها ببطء، ممّا يوفِّر أكبر قدر من التخزين، على عكس مياه الأمطار التي تتساقط بغزارة وتسير سيولاً على السطح".بنظر زعاطيطي "أُغفِلَت الدراسات والبحوث العلمية حول الثروة المائية. وهذه مسؤولية وزارة الطاقة ومصالح المياه، فتركَ ذلك فراغاً علمياً أدّى إلى التركيز على المياه السطحية، وكأنّ لا مياه جوفية في الطبيعة. ومع ذلك، هناك سوء إدارة للمياه السطحية". وعليه، فإن دراسة المياه الجوفية، بالإضافة إلى عدم تلويث المياه السطحية والاهتمام بالبنية التحتية للمياه، يُمكِّن اللبنانيين من العودة إلى شرب المياه "كما اعتدنا في الماضي، وصولاً إلى ما قبل العام 2010، حين وضعت وزارة الطاقة استراتيجية للمياه تقوم على السدود". ولذلك، نحن نشرب "من المخزون الجوفي. ونقطة المياه تسير بالدّور خلف بعضها إلى أن يحين موعد خروجها من الينابيع". وفي حال لم تصل تلك المياه إلى المواطنين، فعلى وزارة الطاقة ومصالح المياه إعادة النظر بطريقة مقاربتها هذا الملف ومراجعة المشاريع المُنَفَّذة في هذ القطاع، لا الركون إلى تراجع معدّلات المتساقطات في سنة معيَّنة.