تحت عنوان "الأشعة السينية" The “X ray”- ، يعرض إدوار سعيد أحدث سلسلة من أعماله التي أنهاها العام الحالي 2025. اللوحات ذات حجم كبير نسبياً، وقد لجأ الفنان في تنفيذها إلى مجموعة من التقنيات، بما في ذلك الألوان المائية، وأعواد الزيت، والأكريليك. هذه المجموعة من الأعمال تُعرض حالياً في CHAOS art Gallery (التباريس، شارع سرسق).
من الناحية العلمية، الأشعة السينية، التي لا بد أننا خضعنا جميعاً لمفاعيلها في وقت ما، هي اختبارٌ سريع وغير مؤلم يلتقط صورًا للهياكل الداخلية للجسم، خصوصًا العظام. في اختبار الأشعة السينية، تخترق الأشعةُ الجسم، وتُمتص هذه الأشعة بكميات مختلفة اعتمادًا على كثافة المادة التي تخترقها. تُظهر الأشعةُ السينية الموادَ الكثيفة، مثل العظام والمعادن، باللون الأبيض. وتُظهر الأشعة السينية الهواءَ في الرئتين باللون الأسود. أما الدهون والعضلات، فتُظهرها الأشعة السينية بدرجات مختلفة من اللون الرمادي.
للمناسبة، وكما تشير الأبحاث التاريخية والأثرية، فإن فن أسلوب الأشعة السينية، والذي يُشار إليه أحيانًا باسم أسلوب الأشعة السينية أو فن الأشعة السينية، هو شكل فني يعود إلى ما قبل التاريخ، ويتم عبره تصوير الحيوانات (والبشر) من خلال رسم أو طلاء الإطار الهيكلي والأعضاء الداخلية. قد يعود تاريخ هذا الأسلوب إلى حوالي العام 8000 قبل الميلاد، في فن العصر الحجري الوسيط (الصخري) في شمال أوروبا. ثم انتشر هذا الفن، أو انتقل، كما يبدو، إلى أفريقيا وجنوب آسيا وأستراليا، حوالي العام 2000 ق.م. ومع ذلك، فقد تم العثور على نماذج أيضاً في ثقافات الصيد في شمال إسبانيا، وسيبيريا، والدائرة القطبية الشمالية، وأميركا الشمالية، وغرب غينيا الجديدة، وأيرلندا الجديدة، والهند، وماليزيا.
قد تكون هذه النظرة العلمية القصيرة، بالإضافة إلى اللمحة التاريخية، المختصرة بدورها، شبه ضرورية من أجل استيضاح المعنى الذي قصده إدوار سعيد من وراء تسمية معرضه على النحو المذكور أعلاه. ولو أخذنا التعريف العلمي وأردنا إسقاطه على الناحية الفنية (وهي عملية قد لا تودي إلى نتيجة مضمونة ونهائية)، لقلنا أن التصوير الشعاعي كفكرة تأسيسية، لا بدّ من أن يذهب بنا إلى عمل فني زاخر بالتفاصيل، وليس إلى لوحة ذات محتوى مختصر ومساحات فارغة. هذا الأمر توضحه النشرة المرافقة للمعرض، التي تفيد بأن الفنان يشرع في استكشاف الشفافية واللامرئي، بصريًا ومفاهيميًا. وإذا يستوحي سعيد الأشكال والأنماط المعقدة التي كُشف عنها من خلال التصوير بالأشعة السينية، فإن أعماله تبحث في التفاعل بين الفن التجريدي والتكنولوجيا العلمية. لذا، فإن الفنان يستخدم مجموعة متنوعة من التقنيات من أجل بلوغ هدفه التشكيلي، كالألوان المائية، وأعواد الزيت، ووسائط الصب، والأكريليك، وذلك من أجل إنشاء تركيبات طبقية تستحضر سيولة ودقة الأشكال العضوية التي تضيئها الآلات العلمية.
يعمل عنوان "الأشعة السينية" كعدسة حرفية ومجازية يعيد إدوار سعيد من خلالها فحص ممارساته الفنية، واختبار طرق مختلفة في التعبير عمّا يجول في ذهنه. وهو، من خلال تقشير سطوح أعماله، يسعى إلى الكشف عن العناصر المخفية التي تكمن بين القماش والطلاء، ويكشف عن حوار معقد بين الطبقات المرئية وغير المرئية. يخيّل إلينا، من خلال معاينة بعض اللوحات، أن عناصر المتن تبدو سابحة فيما يشبه البلازما، أو كأننا في صدد الولوج في عالم مائي، مع ما يحتويه هذا العالم من أشياء أو كائنات يتراوح مظهرها بين الواقعي والمتخيّل. لذا، فإن الأشكال التي تتضمنها الأعمال يصعب تحديد هويتها، ولو أنها تحمل، في بعض الأحيان، إشارات تتصل بالعالم المرئي من قريب أو من بعيد. هذه العملية من شأنها أن تدعو المشاهد إلى تغيير منظوره، إذ ينصح الفنان هذا المشاهد إلى النظر من خلال اللوحات، بدلاً من مجرد النظر إليها، كما يدعوه إلى التفاعل مع العمق، ومحاولة إيجاد التعقيد الكامن تحت السطح.
من خلال هذه المجموعة من الأعمال، لا يتأمل الفنان في رحلته الإبداعية فحسب، بل يتجاوز حدود التجريد أيضًا، فيقدم لغة بصرية تدمج الأشكال العضوية مع الطبقات الشفافة. على هذا الأساس، تقدّم "الأشعة السينية" منظورًا جديدًا حول إمكانات الرسم في الكشف عن الحقائق المخفية، وتدعو إلى تأمل أعمق لما يمكن أن يكشفه الفن عند النظر إليه من خلال عدسة الفضول العلمي والشفافية الفنية.