بعد الجزء الأول من "هامش من سيرة الآغا خان" زعيم الاسماعيليين الذي رحل مؤخراً، والثاني "الإسماعيلي المغضوب عليه"، هنا الجزء الثالث والأخير من ملف عن الإسماعيليين السوريين وخيالهم الثقافي والديني.على هامشِ اعتقادي بأني يساريٌّ، تجاهلتُ لفترةٍ طويلةٍ الخلفيةَ الفكريةَ الإسماعيليةَ للمجتمعِ المحليِّ الذي تنتمي له العائلةُ، والبلدةُ الأصليةُ: سلميَّة. وفي حالِ اضطررتُ أن أفسِّرَ لأحدٍ ما العلاقةَ بين معتقديَ الراهنِ والأصلِ الدينيِّ، كنتُ أجدُ في التاريخِ الإسماعيليِّ ما أُتحفُ به سمعَ الآخرينَ. ففي لحظةٍ ما، يمكنُ أن يكونَ المرءُ قُرمطياً يتمثلُ المجتمعَ "الاشتراكيَّ" المبسَّط الذي صنعته هذه الجماعةُ في البحرينِ وجنوبِ العراقِ والمناطقِ التي احتلَّتها، لكنَّ هذا لا يعني أن يأخذَ عنها كلَّ شيءٍ، بل في لحظةٍ ما، يجبُ أن تُدانَ الأعمالُ العنيفةُ، وأعمالُ السطوِ وقطعِ الطرقِ والتدميرِ الذي ألحقوه بالحواضرِ العربيَّةِ!وحينَ يُذكرُ تاريخُ الجماعةِ الإسماعيليةِ النزاريةِ، لم يكنْ من الصعبِ تلمُّسُ دوافعِ الشخصياتِ التي برزتْ منها، من أجلِ الاحتفاظِ باستقلاليَّتها وسطَ محيطٍ أكبرَ لا يرحبُ بمعتقداتِها، ولا بسلوكِها. وحينَ كنتُ أفكِّرُ في هذا الجانبِ الأخيرِ، كنتُ أسألُ: هل استاءَ محيطُ الجماعةِ منها بسببِ سلوكِها العنيف، أم أنَّها صارتْ عنيفةً بسببِ الكراهيةِ التي تطفو ضدَّ المختلفِ طائفيَّاً؟!لم يكنْ من المهمِّ البحثُ عن إجابةٍ طالما أنَّ الأئمةَ في الزمنِ الحاليِّ بغضوا العنفَ، وأرسلوا فرماناتٍ تُلزِمُ أبناءَ الطائفةِ بأنْ يكونوا مسالمينَ مندمجينَ مع مجتمعاتِهم المحليةِ، وألا يتعصبوا لمعتقداتِهم. لكنَّ هذه الإشاراتِ لم تقتربْ من معالجةِ إحساسٍ شبهِ جمعيٍّ يرتبطُ بمأساةِ فقدانِ الفردوسِ الخاصةِ بها، إذ ثمةَ حزنٌ قديمٌ يجدُ عناصرَ تغذيتِه في الحاضرِ البائسِ، ولا يجدُ المحزونونَ من أجلِ احتمالهِ سوى أنْ يُنشدوا الأغانيَ الآتية من العراقِ عبرَ الصحراءِ، المبنيةَ على المشتركِ من الآلامِ في الروايةِ الشيعيةِ -ربما- وهكذا ستجدُ أنَّ سلميةَ وريفَها هما أكثرُ البقاعِ التي تحتفي بهذا الشجوِ.غيرَ أنَّ الأساطيرَ التي نُسِجَتْ حولَ تاريخِ الجماعةِ كانتْ تمضي بصورتِها حتى في واقعِها وزمنِها الحاليِّ نحوَ عتبةٍ مختلفةٍ.فرغمَ التصحيحِ الذي قدَّمته روايةٌ واحدةٌ، هي "سمرقندُ" لأمينِ معلوف، اتجاه المبالغاتِ التي سادتْ أوروبياً عن الحشاشينَ أتباعِ حسنِ الصبَّاحِ، والتي صنعها الرحالةُ ماركو بولو، ورغمَ أنَّ آخرينَ في مجالاتٍ سرديَّةٍ أخرى اشتغلوا على جوانبَ أكثرَ واقعيةً في تاريخِ هذه الفئةِ، إلا أنَّ الأمورَ بقيتْ تُؤخَذُ من زوايا الطقوسِ السريةِ التي يُشاعُ الكثيرُ عن وجودِها، ليسَ في سياقِ الحديثِ عن الإسماعيليينَ فقط، بل يتعداهمُ الأمرُ ليصلَ إلى الدروزِ أيضاً كطائفةٍ خرجتْ من العباءةِ ذاتِها.لم أعرفْ في حياةِ المحيطِ الإسماعيليِّ السوريِّ الذي عشتُ فيه، بوجودِ طقوسٍ سريةٍ مخفيةٍ غرائبيةٍ يشتركُ فيها أفرادٌ منه، بل إنَّ أهمَّ ما استرعى انتباهي كانَ طقساً يحملُ اسمَ "بيتِ الخيالِ"، قرأتُ عنه شذراتٍ مبعثرةً، ولم أجدْ توصيفاً واضحاً له، ولعلَّ الغموضَ حولَه قدْ جعلَ التفكيرَ فيهِ يذهبُ نحوَ المبالغةِ في صناعةِ مفرداتِه.في نهايةِ السنةِ الثانيةِ من دراستي للفنونِ المسرحيةِ، جمعتنا الأستاذةُ المشرفةُ، لتسألنا عمَّا يمكنُ أن نفكرَ فيه كمشاريعَ للتخرُّجِ، وقد أوحتْ لنا بأنَّه من المهمِّ جداً اكتشافُ الظواهرِ المسرحيةِ المحليةِ، والتركيزُ عليها. وبناءً على هذا، قرَّرتُ أنْ أمضيَ في البحثِ في هذا الطقسِ المبهمِ.ذهبتُ إلى سَلَميةَ، وقابلتُ مسؤولًا في المجلسِ الأعلى الإسماعيليِّ، استمعَ لفكرتي، لكنَّهُ لم يُوافِقْ على أساسِ بحثي بأنَّ الطقسَ يحتوي ظاهرةً مسرحيةً من نوعٍ ما، وبدلًا من أن يجعلَني أكتشفُ الأمرَ بنفسي، صرفَني بلطفٍ شديدٍ لافتًا نظري إلى ضرورةِ توسيعِ مداركي تجاهَ العقيدةِ الإسماعيليةِ عبرَ القراءةِ!لم أستسلِمْ، ووصلتُ إلى أحدِ الأشخاصِ ممَّنْ يعرفونَ الطقسَ، فوضعَني على سِكَّةِ البحثِ حينَ أشارَ إلى أنَّ الطقسَ يتعلَّقُ بالقراءةِ المتعمِّقةِ للنَّصِّ، وبالاشتغالِ على تأويلاتِهِ، وأنَّ الأمرَ يختصُّ بمنْ يصلونَ إلى مرحلةٍ متقدِّمةٍ في المعرفةِ العقائديةِ، وهؤلاءِ قِلَّةٌ، يجتمعونَ في جلساتٍ منَ الصفاءِ الروحيِّ، فيتميَّزونَ بدرجاتِ الغوصِ في البحثِ عنِ المعنى!راقتْ لي الفكرةُ، رغمَ أنَّها لم تُناسبْ محاولتي استخدامها كمشروعٍ للتخرُّجِ، الذي ذهبتُ فيه نحوَ تحليلِ الحكايةِ في المسرحِ ودراسةِ بنيةِ السردِ، وبقيتُ بعدَ ذلكَ أسألُ كلَّ مَن أعرفُهمْ ممَّنْ يعتبرونَ أنفسَهمْ إسماعيليِّينَ متعمِّقينَ، عمَّا يعرفونَهُ عنِ الطقسِ المبهمِ، إلى أنْ قابلتُ أحدَ أقاربي ممَّنْ اختصرَ لي القصةَ كلَّها، وبما يُناسبُ شخصًا منْ خارجِ دائرةِ الإيمانِ، وقد حدثَ ذلكَ حينَ طلبَ منِّي أن أستمعَ لتائيَّةِ ابنِ الفارضِ الكبرى المعروفةِ باسمِ "نظمِ السلوكِ"، وأن أحاولَ فهمَها بعدَما قرأَ منها أبياتَها الأولى.هنا، على القارئِ أن يتخيَّلَ تأثيرَ العودةِ إلى الشِّعرِ الصوفيِّ وتلمُّسِ تفاصيلِهِ، في شابٍّ يرى العالمَ من زاويةٍ شعريةٍ، واعتقادٍ راسخٍ بأنَّ الشِّعرَ سيُغيِّرُ العالم. لكنَّ المفارقةَ الصادمةَ أنَّ هذا الشِّعرَ بذاتِهِ لا يُحيلُكَ إلى الراهنِ، بقدرِ ما يسحبُكَ نحوَ الداخلِ، وربَّما يعزلُكَ عنْ محيطِكَ، وحتَّى حينَ تصلُ إلى أعلى درجاتِ السموِّ من خلالِ التعمُّقِ فيه، فإنَّ الرِّقَّةَ والشفافيةَ اللتينِ ستُغلِّفانِ روحَكَ، لن تكونا مناسبتينِ من أجلِ مواجهةِ العالمِ بصراعاتِهِ وحروبِهِ واستهلاكيتِهِ وكلِّ العوارضِ التي تُدمِّرُ إنسانيةَ البشرِ فيه!لم أَدَّعِ قُدرةً على الإحاطةِ بكلِّ الأسبابِ التي تجعلُ "السَّلَموني" مشروعَ شاعرٍ، وفي أغلبِ الأحيانِ كنتُ أظنُّ أنَّ الفقرَ المادِّيَّ والباديةَ والقليلَ منَ العقيدةِ يكفيانِ لأنْ يذهبَ المرءُ إلى وادي عبقرَ افتراضيٍّ خاصٍّ بهِ، يصنعُهُ في خيالِهِ. لكنَّ الاقتراحَ الصوفيَّ، يُؤدِّي، ومن خلالِ مساراتِهِ إلى خَلْقِ أرضيةٍ مختلفةٍ، تتعاطى معَ الشِّعرِ ومنْ خلفِهِ الثقافةَ، على أنَّهما منصَّتا حضورٍ وتَمَيُّزٍ. وربَّما جاءتْ سُمعةُ المنطقةِ الثقافيةِ منْ هذهِ الزاويةِ معَ العلمِ أنَّ هذا الأمرَ لا يقتصرُ على إسماعيليَّةِ سَلَمية، بل يمتدُّ إلى سُنَّتِها وعلويَّتِها وبقيةِ الجماعاتِ التي تتقاسمُ معهمُ الأرضَ وماءَها وهواءَها.فهنا يمكنُ للحدودِ أنْ تُكسَرَ من دون خشيةِ سوءِ الفهمِ، طالما أنَّ المناخَ الشائعَ عندَ الأكثريَّةِ يقومُ على الانفتاحِ وبلا تحفُّظٍ.الاستغراقُ في ما كنتُ ألاحظهُ عنْ سلوكياتِ الجماعةِ الإسماعيليةِ التي أعرفُها، لمْ يُوصِلْني لعتباتٍ بعيدةٍ عمَّا خرجتُ بهِ منْ قصةِ "بيتِ الخيالِ"، إذْ ثمَّةَ انتحاءٌ كبيرٌ نحوَ المثاليةِ، والاشتغالُ على دَوْرِ صناعةِ الخيرِ، وسطَ بيئاتٍ تتلاطمُ فيها أمواجٌ تُدمِّرُ حيواتِ الناسِ، وتأخذُهمْ نحوَ الاشتباكِ معَ كلِّ شيءٍ!بعيدًا منْ وجودِ معارضينَ لهُ في أوساطِ العَلمانيِّينَ السَّلامنةِ يطرحونَ حججًا تُهاجمُ سياستَهُ، اقترنَتْ رؤيةُ الإمامِ الراحلِ شاه كريمِ الحسينيِّ، بالمشاريعِ ذاتِ البعدِ الإنسانيِّ، وبرزتْ أكثرَ فأكثرَ في الشِّقِّ الثقافيِّ، وهذا ما ظهرَ في عملِ شبكةِ الآغا خان، حيثُ ثمَّةَ برنامجٌ لدعمِ المدنِ التاريخيةِ، وآخرُ لدعمِ العمارةِ الإسلاميةِ، وهناكَ جائزةٌ شهيرةٌ خاصةٌ بالعمارةِ، بالإضافةِ إلى مشروعٍ رائدٍ خاصٍّ بموسيقى طريقِ الحريرِ.لكنْ إلى أيِّ درجةٍ يمكنُ لهذهِ النَّزعةِ المثاليةِ في التعاطي معَ العالمِ المُتْخَمِ بالكوارثِ، ألا تكونَ مجرَّدَ قصيدةٍ صوفيةٍ، تبدأُ منَ العُمقِ الإنسانيِّ وترتدُّ إليهِ؟التناقضُ بينَ صورةِ الطائفةِ المُسالمةِ حاليًّا، وبينَ ما نقلهُ التاريخُ عنْ أفرادِها، يستدعي تحليلًا للمساراتِ التي مضتْ فيها الجماعاتُ الإسماعيليةُ الموزَّعةُ في بلدانٍ عديدةٍ حولَ العالمِ. لكن المؤكَّدِ أنَّ وضعَ الجماعةِ في سوريا، لم يكنْ مرتبطًا بالرؤيةِ المثاليةِ السالفةِ، إذْ وجدَ هؤلاءِ أنفسَهمْ في صراعاتٍ معَ منْ حولَهمْ حتَّى فترةٍ قريبةٍ، لا سيَّما الحوادثُ الطائفيةُ معَ العلويِّينَ التي جَرَتْ في مصيافَ والقدموسِ في العامِ 2005، والتي تضافرتْ جهودُ المجتمعِ المدنيِّ السوريِّ لحلِّها، ولسحبِها منْ يدِ الأمنِ الأسديِّ الذي برزَ كمحرِّكٍ للتصعيدِ!وفي سنواتِ الثورةِ السوريةِ، كانَ السعيُ إلى الثباتِ في الموقفِ المناصرِ للمحتجِّينَ، وعدمُ التورُّطِ في دعمِ سلوكِ الأسديِّينَ الدمويِّ، ملمحينِ راسخينِ في سيرةِ الغالبيَّةِ في مدنِ سَلَميةَ ومصيافَ والقدموسِ ومنطقةِ نهرِ الخوابي في طرطوسَ. كما أنَّ اشتغالَ المؤسَّسةِ الإسماعيليةِ في إغاثةِ النَّازحينَ لمْ يخرجْ عنِ السلوكِ الطبيعيِّ عندَ السَّلامنةِ والآخرينَ الذينَ كانوا يُغامرونَ لإيصالِ الدعمِ للمدنِ والمناطقِ المحاصرةِ منْ قبلِ جيشِ النظامِ وميليشياتِهِ.(الآغاخان كريم الحسيني في جولة مع مسؤولين سوريين سابقين على أعمال الترميم في قلعة حلب)ويَبْقَى في النهايةِ، وبعدَ سقوطِ النظامِ، أنَّ الخياراتِ المتاحةَ حاليًّا أمامَ أفرادِ الطائفةِ الإسماعيلية في سوريا، لا تتعلَّقُ بعقيدتِهمْ، بقدرِ ارتباطِها بالتفكيرِ السياسيِّ الذي تشكَّلَ تاريخيًّا على أرضيةٍ مناهضةٍ للاستبدادِ، والمضيِّ أكثرَ نحوَ الحرياتِ العامةِ. وإذا كانَ السائدُ حاليًّا، وكما ظهرَ خلال الشهرينِ الفائتينِ، أنَّ حضورَ التيارِ المدنيِّ الديموقراطيِّ يتَّسِعُ على حسابِ الحزبيةِ السياسيةِ، فإنَّ العلاقةَ بينَ العقيدةِ الدينيةِ وتمثيلِها المؤسَّساتيِّ (مؤسَّساتِ الآغا خانَ) منْ جهةٍ، والتطوُّراتِ السياسيةِ في البلدِ من جهة ثانية، تبدو غيرَ حاضرةٍ. ولعلَّ هذا فصلٌ أوليٌّ للدِّينِ عنِ الدولةِ، يُنجِزُهُ السَّلامنةُ من دون أنْ يلتفتوا إلى الخلفِ، لعلَّهمْ يُساهِمونَ في مستقبلٍ أفضلَ، لهمْ وللآخرينَ.