لم يكن أشدّ المتشائمين وأكبر الخصوم للتيّار الوطني الحرّ يتوقع، حتى ما قبل أشهر قليلة، أن يصل التيّار البرتقالي إلى يوم يعرض فيه رئيسه النائب جبران باسيل على حكومة ما في جلسات الثقة، منذ عام 2005 وحتى يوم أمس، أن يعطيها ثقته، إذا رغبت في ذلك، فيأتيه الردّ كما حصل أمس مع رئيس الحكومة نوّاف سلام الذي ردّ على باسيل بأنّه لا يرغب بأن يمنحه الأخير ثقته.
كلمة باسيل التي وردت خلال جلسة الثقة بحكومة سلام أمس، وكانت متلفزة، جاءت صادمة بكلّ معنى الكلمة لجمهوره بالدرجة الأولى ولمراقبين فوجئوا بما آل إليه باسيل من عدم إيلاء الحكومة ورئيسها أيّ اهتمام به، حيث بدا سلام لا مبالياً البتّة بالثقة التي عرض باسيل أن يمنحها لحكومته، بعدما بقي أكثر من عقد ونيّف، وتحديداً منذ أوّل مشاركة له ولتيّاره في الحكومات المتعاقبة منذ العام 2008، محط اهتمام ومحور أيّ حكومة تشكلت منذ ذلك الحين، وصولاً إلى تحوّله صاحب الكلمة الأولى ومركز ثقل أيّ حكومة في عهد الرئيس السّابق ميشال عون.
فقد بدا باسيل مربكاً وفاقداً للتوازن المعتاد عنه في هكذا مواقف، وهو المعروف عنه أنّه يُعدّ ملفاته جيداً، عندما توجّه إلى سلام في كلمته معلناً نزع الثقة التي أعطاها له لما سمّاه رئيساً مكلّفاً، في 13 كانون الثاني الماضي، لأنّه لا يستأهلها على حدّ تعبيره، قبل أن يتابع أنّه إذا كان سلام راغباً في استعادة هذه الثّقة فإنّ باسيل حاضر لإعادتها له من خلال أعماله، فيقاطعه سلام بعد إشارة لا مبالية من يده بأنّه “مش راغب”.
الموقف المحرج الذي وضع باسيل نفسه فيه يوم أمس لم يكن يتمناه له أيّ صديق أو حليف، وهم اليوم غير موجودين عملياً بعد السياسة “الإستعدائية” التي اتبعها باسيل في السّنوات السّابقة وخسر فيها معظم الأصدقاء والحلفاء؛ أو يتمناه له الخصوم الكثر الذين ازداد عددهم بشكل لافت خلال السّنوات الأخيرة، الذين كان معظمهم يرسم إبتسامة صفراء شامتة على وجوههم وهم يرون الحال التي وصل باسيل إليها.
فبعدما كان الرقم الصّعب في أيّ حكومة تشكلت منذ العام 2008، وتحوّل منذ وصول الرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016 إلى “الحاكم الفعلي” في قصر بعبدا، ولو أحياناً من وراء الستارة، بات باسيل اليوم وحيداً على مسرح الحياة السياسية اللبنانية من غير أن يجد من يؤزاره أو يدعمه في مساره السياسي، لا بل أنّ بعض من كانوا تحت “الخيمة البرتقالية” ورفاق الأمس في التيّار إبتعدوا عنه، حتى بدا المشهد سوريالياً أمس عندما أعلن باسيل حجبه الثقة عن حكومة سلام، بينما أعطاها الثقة زميلاه السّابقين في التيّار البرتقالي حتى أشهر قليلة النائبين إلياس بو صعب وآلان عون، قبل أن يغادرا مع آخرين “القلعة البرتقالية” بسبب خلافاتهم مع باسيل، غير آسفين ولا نادمين.
وإذا كان باسيل لن يجد أمامه منقذاً لمستقبله ومستقبل تيّاره السياسي، بعدما انفضّ عنه الحلفاء والأصدقاء، أو قام هو بإبعادهم، سوى تصوير نفسه على أنّه ضحية، فإنّه سيجد نفسه وتيّاره للمرة الأولى منذ العام 2008 خارج السلطة، من غير أن يكون له كلمة في رسم سياسات الحكومة والتعيينات والمشاريع وتقاسم الحصص، إنّما سيجد أبواب رئاسة الحكومة والوزارات مقفلة أمامه، وأنّ من زرعهم في مناصب داخل الدولة طيلة السّنوات السّابقة سيجدون أنفسهم، للمرّة الأولى، بلا أيّ مظلّة تحميهم أو تقيهم تقلبات الدّهر .. والحكومات.
The post لا مبالاة سلام بباسيل: تقلبات الدّهر والحكومات!.. عبدالكافي الصمد appeared first on .